الأحد، 6 سبتمبر 2020

العابرون في دروبنا

 


سنوات مضت، ربما عقد أو نصفه، يزيد أو ينقص، لا يهم، عرفت "خالد" الفتى الهمام، أصغر مني بثلاث، طلابا كنا، ندرس تخصصات مختلفة..

كنت وإياه وشباب آخرون نتنافس لا شعوريا على الألق، رغبة عارمة تجتاحنا، وولع شديد الهلع يسري في عروقنا بالبحث عن المعرفة، والتعمق في شيء، ومعرفة شيء وأشياء كثيرة عن كل شيء، بالقراءة العميقة تارة، وتارة أخرى بالندوات، والمحاضرات، والدورات المكثفة التي لا نود أن تتوقف.

لم نكن على وفاق دائم، بل أغلب لقاءاتنا كانت سجالا محمودا، ونقاشات لا يلم شعثها إلا الاحترام الذي يحفظ الوشائج. ولا أخفي أنني كنت في كثير من الأحيان أتظاهر بجهلي ببعض المسائل والمعارف حتى أستمع وأحلل آراء الأقران بخبث، لكنني لا أبرح حتى يكتشف أمري فأدلي بدلوي وأطرح رأيي بلا تحفظ ولا تردد.

إنني أفتقد نفسي كثيرا لبعدي عن أجواء المعارف وروادها مؤخرا، ولكنني أفضل ذاتي الآن أكثر، لأنني لن أجد من يقبلني كما أنا، وأعتقد أنه يندر أن يجد المرء من يحسن الاستماع إليه كما يتقن الثرثرة عليه. وحتى إن وُجد، فلن تجد من يتسع صدره للخلاف بود كما خالد، وأمثال خالد.

في يوم ما، كنت وإياه في طريقنا إلى أحد معارض الكتب، وكنا نستمع إلى أنشودة تترنم بــ "رفيق الدرب" على إحدى الإذاعات المحلية، ولا أتذكر من كان منا يقود السيارة حينها، أنا أم هو، لكنني أتذكر جيدا أنني قلت له بأن هذه الأنشودة هدية مني إليك، فأجابني بأنه لا يعدني من رفاق دربه، لقد قالها بعفويته الأخاذة، ومشاكسة منه معتادة، فقلت له بأننا الآن رفاق الطريق إلى تلك الوجهة على الأقل، أليس كذلك؟ فقال: إن كان كذلك فلا بأس.

كبرنا قليلا، وأنهى كل منا دراسته، تفرقنا، وصار لكل منا حياته الخاصة، بعيدا عن الآخر لسنوات، سنوات لم نر فيها بعضنا أبدا. لقد صدق خالد حين لم يعتبرني رفيق دربه، فالصدق وإن كان مؤلما لهو أنجع من الكذب المريح.

الكذب الذي يفتك بالقلب حين يشرع أبوابه للأقران الذين ينهشون منه كل لحظة بجفائهم، واستعلائهم، وغرورهم دونما كدر.

التقيت بخالد مؤخرا في لقاء عابر، أهدى كل واحد منا للآخر كتابا، ثم تفرقنا، وله ولغيره من العابرين في قلبي كل حب صاف.


الأحد، 14 يونيو 2020

العبودية في أنقى صورة




قبل أشهر، انتشر مقطع فيديو قصير على حسابات خليجية على منصة " الانستقرام" لشاب _يرتدي كاب_ يُسلم على صديقه بالأنوف، كما جرت العادة المحلية المعروفة في مجتمعنا الخليجي على وجه العموم، والإماراتي على وجه الخصوص "السلام بالخشم" هكذا نسميه، ولأن الشاب كان يرتدي " الكاب " اضطر لإمالة رأسه قليلا كي يتسنى له الوصول للــ "أنف" المستهدف بيسر وإنهاء العملية بنجاح ودون معوقات.
الأمر الذي أثار لغطا كبيرا، وجدلا واسعا، وسيلا من السباب، بعدما اتهم الشابين بممارسة الشذوذ، ولتمتلئ خانة التعليقات بسجالات لا يدان لأحد بحصرها، بينما وقفت وبعض الإماراتيين حيالها مشدوهين، لنصحح للمتشاكسين أن الأمر لا يعدو "سلاما بالخشوم" وليس كما ظن الأغلب أنها قبلات بالشفاه، وأن إمالة الرأس كان سببها القبعة لا أكثر.

إن اعتيادنا على ذلك في مجتمعنا، جعلنا لا نرى فيه غضاضة، ونستغرب ممن يستغرب منه، حتى إنني مرة انفجرت ضاحكا من تعليقات "أجنبية" من قبيل "Nice Couple!" على صورة لشابين يتبادلان السلام بالأنوف، فظنوا أن بينهما العلاقة إياها!

كل ما في الأمر، أن كامل الصورة لا يراه من لم يعش في مجتمع الإمارات، ولم يقرأ عنه وعن عاداته، ولو عرفوا لظهر الجزء المفقود، ولما كان للاستهجان بعدها معنى.

تماما، كما يستشكل الكثيرون العبودية التي قننها الإسلام ولم ينهها بجرة قلم، فهناك صورة نمطية ينبغي محقها أولا، وعرض الصورة المثلى على حقيقتها، حينها يزول الإشكال، ويتوقف السؤال.

إن الرق الذي أتحدث عنه ليس متمثلا في إنسان أسود يُضرب بعصا من قبل إنسان أبيض، فضرب المولى في التشريع الإسلامي " كفارته أن يعتقه" (صحيح مسلم وغيره) !
كما أن حالة البقاء على الرق كانت اختيارية بيد الموالي أنفسهم والذين شرع لهم حق المكاتبة، ولا يحل للسيد أن يرفض المكاتبة، ويمنع مولاه من نيل حريته إذا طلبها كما سيأتي.
فالتأكيد على هذه النقطة وكون أن الموضوع "اختياري" ينفي أي إكراه.

إذن، فاستقباح الأمر يحتم استقباح كل شيء يتم بمحض اختياري، وكل المهن ستبدو بشكل أو بآخر نوعا من أنواع الاستعباد، وما تطمح له النفوس من حياة رغيدة للجميع، ليس محلها هنا على الأرض، بل أنت هنا موجود لتُختَبر، وتعاني، وتكافح، يخدم في هذه الحياة البشر بعضهم البعض، فهناك عامل المناجم، والفلاح، والمعلم، والطبيب والمهندس، والأمير، والوزير، وقائد الجيش الكبير، والجندي الصغير وغيرها من المهن مما دنا أو علا.
وقد ذُكر هذا بشكل واضح في كتاب الله عز وجل
" نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا" [الزخرف (32)]

فوجود هذا التناوع والتسخير ضروري، لتسير عجلة الحياة، بل حتى الطبائع النفسية البشرية والمؤهلات تلعب دورا في ذلك.
فالراحة الأبدية في السماء! 

وماذا عن التقييد؟
دعونا ننظر بعين العدسة المكبرة لكثير من الوظائف التي تمارس في عصر "التحرر من العبودية" المزعوم، سنجد أن التقييد في أبهى حلله، بل وبشكل فج، وينتهك في أحيانٍ كثيرة كرامة الإنسان نفسه.

فمثلا، العمل في الجهات الأمنية، أو الشرطية، أو القوات المسلحة، يحتم على الموظف في كثير من الأوقات العمل على مدار 24 ساعة، ودون أي تعويض.
أن يكون هذا الشخص "in call" في أي وقت، باتصال واحد من مسؤوله يوجب عليه أن يكون متوفرا ليعمل.
كما تفرض هذه الجهات تقديم طلب للحصول على موافقة المسبقة على زواج أو على سفر، فيحظر على الموظف الزواج من جنسيات معينة، أو المنتمين إلى الأحزاب السياسية، وذلك حفاظا على المؤسسة الأمنية من الأدلجة أو تسريب المعلومات الخطيرة أو التجسس. وينطبق الأمر على السفر إلى أماكن معينة.
هذه القيود والتدخل السافر في خصوصية الأفراد العاملين يمكن أن تصنف كنوع من العبودية المقننة، ناهيك عن طاعة الجنود العمياء لقادتهم دون نقاش، وهو يعتبر عرفا عاما في كل جيوش العالم، ولن تقوم قيامة أي جيش من غير هذا العرف
وهذه الطاعة العمياء المطلقة، يمكن تكون نوعا من أنواع العبودية المقننة أيضا، فكل مرتب في الجيش ينادي من يعلوه رتبة بلقب (سيدي) وينفذ كل طلباته قائلا ( حاضر سيدي .. وأمرك سيدي) فكسر الأمر يعرض صاحبه لمحاكمة عسكرية، تصدر عنها عواقب وخيمة

كذلك، في كثير من الدول "المتحضرة" تجد كثيرا من الرجال والنساء يحصلون على مستحقات الحياة ( ملبس مأكل مشرب مأوى) عن طريق تجارة الجسد، كالعمل في الدعارة أو الملاهي الليلية، التعري أمام الجمهور، أو ممارسة الجنس مع أي كان وأمام أي كان، إنها أوامر المسؤول أو السيد صاحب العمل، ويجب أن تنفذ. وليس ببعيد عن ذلك حال عارضي الأزياء، فكما أن أجسادهم تنتهك خصوصيتها، فهم لا يأكلون ما يشتهون، والكثير منهم مجبر على الدخول في أنظمة غذائية صارمة تتحكم في نوعية الطعام والشراب واللباس في سبيل الاستعراض بالأجساد
فهل يمكن أن تكون هذه إلا عبودية مقننة؟!

أضف إلى ذلك، ماذا لو سألت شخصا ما، كيف تصبح مهندسا؟!
هل يتم ذلك بالوراثة؟!
أن ترث الهندسة من والدك أو أمك؟!
قد يكون والداك الاثنان مهندسين، ولكنك لن تصبح مهندسا إلا إذا درست وتعبت وحصلت على شهادة الهندسة من جامعة معترف بها
إذن، فالمعاناة جزء من الاستحقاق، التزامك بحضور الحصص، أداء الامتحانات، وعمل عدد من المشاريع والأبحاث
ستحصل بعدها على شهادة تؤهلك للعمل، وتحصل على وظيفة لا يحصل عليها عامل نظافة، أو راقصة باليه، أو راهب
ولا أعتقد أنه من العدالة أن نزج بجندي لا يفقه إلا في أمور الوحدة العسكرية التي يعمل بها، ونناوله مشروعا هندسيا، دون أن تكون له شهادة هندسة

يجب عليه أن يدرس ويحصل على شهادة كي ينال الاستحقاق

علاوة على ما سبق، هناك جهات أعمال، تقدم منحا دراسية للطلبة الجامعيين، وعليهم أن يدرسوا في تخصصات تحدد من قبل هذه الجهات، شريطة أن يعمل مدة معينة عددا من السنين في تلكم الجهة المانحة، وإلا اضطر لدفع قيمة المنحة من ماله الخاص
الكثيرون بعد ذلك تفوتهم فرص عمل ذهبية بسبب هذا القيد، للعمل في جهات أو شركات أخرى برواتب مغرية، فهم لا يتحملون قيمة الديون التي يمكن أن تترتب عليهم
البعض أيضا يمكن أن يعاني من بيئة عمل سيئة ويجبره هذا القيد على الالتزام والاستمرار بالمدة الزمنية رغم كل الظروف.
هذه يمكن أن توصف بعبودية مقيدة أيضا.

جميع المهن التي تم ذكرها وغيرها من المهن، فيها عنصر واحد مشترك وهو الاختيار بالبقاء، أو اختيار التغيير وتحمل العواقب على ذلك.

لنعد إذن إلى العبودية في نظام التشريع الإسلامي، ودعونا أولا نطرق باب أبي هريرة رضي الله عنه، فكما أنه اشتهر بتعليم الناس ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، من سير وأحاديث وحكم، فهو يمثل أيضا حالة اجتماعية توجد مثلها بالأمس واليوم، وغدا. فلم يكن مُعدما أو فقيرا على الدوام، فقد رعى الغنم في صغره، وعمل بكد يده شابا، وتولى إمارة البحرين والمدينة المنورة كهلا، وكان يبيع الحطب، ولديه من الموالي أيضا.
ثم نجده يقول ذات يوم: (والَّذي نَفسي بيدِهِ لولا الجِهادُ والحجُّ وبرُّ أمِّي ، لأحببتُ أن أموتَ وأَنا مملوكٌ)[البخاري ومسلم]
لم يكن عبدا ولكنه لم يرى بأسا أن يكون عبدا مملوكا لأحدهم، فهل هنالك عاقل يتمنى العبودية؟!
أم لأن هناك سببا أعمق من ذلك

ليس سببا، بل أسباب:-

أولا: رَفْعُ الإسلام النظرة الدونية عن المماليك وإرساء حقوقهم:
تم ذلك بتكريس المؤاخاة بين الطرفين، ونهى عن مناداتهم (بعبدي وأمتي) فكلنا عبيد وإماء لله، وجعل مناداتهم ( بفتاي وفتاتي وغلامي وجاريتي) وهذا ضروري لتأهيل المماليك نفسيا، وعدم إشعارهم بالدونية. كما نهى عن ضربهم، وأوجب الحدود على من قتل أو جدع أو آذى أيا منهم. وأمر أن يُلبَسوا من نفس الملبس ويأكلوا ويشربوا من نفس الطعام، كما أمر بتزويجهم: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) سورة النور)
وأوجب كذلك عدم تحميلهم فوق طاقتهم، بل وإعانتهم.

إذن، فالعبد يتحصل جراء خدمته، مجموعة من الحقوق تريح كل من لا يطمح بغير توفير الغذاء والكساء والمسكن والزوج والدواء.

ومن لا يريد ذلك فليكاتب مولاه، ويشتري نفسه، فيعتقها.
والمكاتبة توفر إعتاق الذات على أقساط ميسرة بمدد زمنية ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا).
 إضافة إلى إعفاء من بعض الدفعات ومساعدتهم إذا تعثروا (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) النور 33.

ثانياً: لم يشجع الإسلام على الرق بل العكس فبعد أن قننه، شجع على العتق في صور كثيرة جدا، من القرآن والسنة.

ومن الجدير بالذكر عند قراءتنا للقرآن، نجد دائما عقب الكفارات المخصصة بعتق الرقاب قوله تعالى ( فمن لم يجد) وفيها إشارة واضحة، بأن هنالك احتمالية كبيرة، في أنك أيها المسلم، في يوم ما، قد لا تجد رقبة تعتقها وتكفر بها عن جريرتك.

ثالثاً: تولى الموالي والمماليك أعمالا كثيرة بدءا بالأعمال اليدوية وانتهاء بالإمارة، ونجد ذلك واضحا في النصوص الشرعية، والتاريخ، فلا يوجد مانع من ذلك أصلا! 

فقد أورد البخاري في باب السمع والطاعة للإمام ( الحاكم أو الأمير) ما لم تكن معصية، هذا الحديث النبوي
"اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ". 

نحن هنا نتحدث عن سابقة نوعية في  إمكانية تولي العبيد للإمرة، وأيضا حدد بقوله (حبشي)، والمخاطبين في حينها أكثرهم من "العرب" الأوس والخزرج والقرشيين، الذين كانوا يتباهون بأحسابهم وأنسابهم، فقرر الشارع أن تولي العبيد السود جائز وممكن شرعا، وعليك أيها العربي الذي تباهي بحسبك ونسبك أن تطيع أوامره!

سواء كان إماما دينيا في الصلاة أو إماما في شأن من شؤون الحياة

والحوادث التاريخية في ذلك كثيرة جدا جدا، منها أن عمر بن الخطاب لقي نافع بن الحارث وَكانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُ نافعا واليا علَى مَكَّةَ، فَقالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ علَى أَهْلِ الوَادِي، فَقالَ ابْنَ أَبْزَى، قالَ: وَمَنِ ابنُ أَبْزَى؟ قالَ: مَوْلًى مِن مَوَالِينَا.
قالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عليهم مَوْلًى؟
قالَ: إنَّه قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وإنَّه عَالِمٌ بالفَرَائِضِ.
 قالَ عُمَرُ: (أَما إنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قدْ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ) [صحيح مسلم]

هذا وقد ورد في الأثر الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبيل موته بأنه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا، لأوصى له بالخلافة!

صدق أو لا تصدق، سالم الفارسي الأصل ومن الموالي كان يمكن أن يتولى الخلافة.

ومن منا لم يسمع عن دولة اسمها دولة المماليك، لماذا مماليك؟
لأنهم فعلا كانوا عبيدا، وحكموا مصر حقبة من الدهر، وقادوا الجيوش، وصدوا الغزو المغولي في أبهى صور البطولة.

وتلخيصا لما سبق، إن العبودية في الإسلام قائمة على البقاء فيها مختارا للراغبين، لهم ما لهم من حقوق، كما أن عليهم واجبات، وحقهم مصان، في أنقى سبق لحقوق وكرامة للإنسان.

هكذا يمكن أن تبدو ملامح كامل الصورة.

الأحد، 26 أبريل 2020

القول الراجح على مذهب عمرو بن هشام




ومن ذا الذي ينكر عقلية هذا الرجل الفذة؟!
لقد كان أعجوبة زمانه، أصغر أعضاء مجلس الشورى القرشي سنا، بسبب ذكائه وكياسته،  ذاك المجلس المسمى بدار الندوة.
لقبه بين بني قومه " أبا الحكم " وذلك لرجاحة فكره، وعمق حكمته، ورزانة رأيه.
أعتقد أنني أكثرت فيه الإطراء، رغم أن تاريخ هذا الرجل مليء بالشر، ولكن لا يمنع هذا أن ننقل الحقيقة الموثقة، عن رجل كان يمكن أن ينال شرفا ما بعده شرف لو أنه لم يجدد مذهب الغواية البشرية المتجذر منذ فجر التاريخ، ليكون من أئمته.
ذاك المذهب الذي أساسه الهوى، وعموده إيذاء الأنبياء، ومعاداة الصالحين والصديقين، وقتل الأبرياء، ذاك المذهب القائم على لبنات الـ " الكبرياء ".
الصفة التي هي سبب كل خطيئة منذ إبليس الذي عاند الرب إلى الأبد؛ بسبب سجدة حفاظا على كبريائه، رفض الرجوع والتوبة، بل واصل بكل وقاحة وتبجح طالبا من الله أن يؤخر عقابه وحسب.
أما عمرو بن هشام فلم يغنه ذكاؤه بعد أن حفه بسياج من الكبرياء، وقرر أن الراجح في مذهبه العمى على الهدى، والهوى على الحق، والعناد حتى آخر رمق.
قال له الأخنس بن شريق يوم بدر: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد؛ أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟" 1
وقد سأله يوما ابن أخته مسور بن مخرمة عن حقيقة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ قال: "يا خالي، هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" فقال: "يا ابن أختي، والله! لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذبا قط". قال: "يا خال، فما لكم لا تتبعونه؟" قال: "يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي. فمتى ندرك مثل هذه؟!" 2
لم يكن يمنعه إذن غير " الكبرياء" فكان الراجح في مذهبه، ووقف ليجلب على الحق بكل الحيل الجهنمية، ترغيبا وترهيبا، وما أوتي من فصاحة لسان ورجاحة عقل ليؤثر في عموم الناس.
إن عبقرية كهذه لم تكن الأولى ولم تكن الأخيرة، ولذا كانت المعايير الإلهية صارمة في عدالتها بعد إذ منحت الأمانة لمن سألها، الأمانة التي ناطها بالإنسان، أمانة الهداية المختارة، وأمانة الخلافة الواعية في الأرض، وأمانة الإرادة عن قصد، وكل ذلك لا يتأتى بالكبرياء، مهما بلغ المرء من عبقرية أو ذكاء.
إن أتباع مذهب أبي جهل باقين ما بقي الزمان، وإنك لتراهم في زماننا وقد لبسوا عمامة "العلم التجريبي" بدلا من عمامة الحكمة والحصافة والفصاحة، فأدلجوا العلم ونظرياته في خدمة رفض الحقيقة الإلهية، لا لشيء إنما هو الكبرياء، ولكن بلون وطعم مختلفين.
وإنني لأنتهز هذه الفرصة للإحالة إلى كتابي "وهم الشيطان" للبروفيسور ديفيد بيرلنسكي، و "أوهام الإلحاد العلمي" للدكتور محمد باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية؛ لترى الأمثلة العملية في التزييف المجرد لنصرة الأهواء، وأدلجة العلم في سبيل الكبرياء.
وحتى تكتمل أي صورة، وفي خضم الفوضى المعلوماتية الخلاقة، لنقرأ ولكن بعينين، إحداهما فاحصة، والأخرى ناقدة، وإلا كنا كعموم من اغتر بعبقرية عمرو بن هشام، واتبع الراجح على مذهبه.


1)    ابن القيم: هداية الحيارى 
2)     المرجع السابق

الأربعاء، 22 أبريل 2020

إحالة الفرقان للمزامير


إن الإنسان الكيّس يقي نفسه موارد الشبهات، ويحتاط لنفسه من بواعث الخطر، ويزن مفرداته من أن تزل قدم بعد ثبوتها.
تلك هي المفسرات التي أجدها تحفظ كيان أوائل المفسرين لكتاب رب العالمين، والتي جعلتهم ينتقلون من التخصيص إلى التعميم في تفسير قوله تعالى:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) الأنبياء
وكلمة الزبور لغة تعني كل كتاب مكتوب في عمومها، أما في خصوصها فهي الكتاب الذي أنزله الله على نبيه داوود عليه السلام أو كما يعرف في أسفار العهد القديم بالمزامير.
ومع أن القرآن قد ذكر معنى الزبور في موضع آخر كقوله:
(وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) (55) الإسراء
فحين العودة إلى تفسير الطبري على سبيل المثال وهو من أقدم الكتب عناية بتفسير القرآن الكريم، نجد أنّ تحرّج أوائل المفسرين وخلافهم كان واضحا جدا في تأويل قوله تعالى: ( ولقد كتبنا في الزبور)، وقد أصرّوا على تفسيرها بالعموم ( أي جميع الكتب السماوية السابقة) وخشيتهم من البت في أن المقصود هو التخصيص أي زبور أو مزامير داوود حرفيا.
وذلك لسبب وجيه، وهو صعوبة الوصول للكتب السماوية السابقة في عصرهم، والنظر والتمحيص فيها، حيث كان العُرف السائد هو أن تبقى هذه الكتب محفوظة في أيدي الأحبار والرهبان، ناهيك أنها لم تترجم من لغاتها الأصلية وتكون متاحة للعامة إلا في عصور متأخرة جدا.
فلم يتسنّ للمفسرين الأوائل التأكد والجزم، واختاروا الاحتياط بتغليب المعنى العام على الخاص.
إلا أننا اليوم، بعد أن غدا كل شيء متوفرا، ويتأتى الوصول إليه بيسر على الأغلب، فنستطيع البت أن مقصود القرآن الكريم هو في الإحالة إلى زبور داوود حرفيا.
فبالعودة إلى المزامير، الإصحاح 37 نجد النص يستفتح ( بالذكر):
(3 . اتكل على الرب وافعل الخير، اسكن الارض وارع الامانة4 وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك5 سلم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري6 ويخرج مثل النور برك وحقك مثل الظهيرة7 انتظر الرب واصبر له ولا تغر من الذي ينجح في طريقه من الرجل المجري مكايد8 كف عن الغضب واترك السخط ولا تغر لفعل الشر)
ثم يبشر في ذات الإصحاح بأن ( الأرض يرثها عبادي الصالحون) فيما نصه:
(لان عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض)
( اما الودعاء فيرثون الارض ويتلذذون في كثرة السلامة )
( لان المباركين منه يرثون الارض والملعونين منه يقطعون )
( الصديقون يرثون الارض ويسكنونها الى الابد.)

حقيقةً، لقد تملكتني القشعريرة وأنا أقرأ الإصحاح المشار إليه لأول مرة، وراودتني بعض الخواطر ألخصها في ثلاث نقاط:
-         عجز المفسرين الأوائل عن الاجماع والبت في آية تحيل حرفيا إلى سفر معين من أسفار الكتب السماوية السابقة، دليل على أن ما في هذه الكتب لم يكن شائعا البتة بل لم يكن متاحا الوصول إليه، لترجيح المسألة بقرينة واضحة. فالذي أنبأها محمد صلى الله عليه وسلم في مكة التي يحفها الوثنيين، هو بلا شك من أنبأها داوود أول مرة، جل وعلا.
-         رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، فعندما لم يجد المفسرين الأوائل بُدا لتفسير الزبور على عمومها، واختاروا الاحتياط، دل ذلك على عظيم خشيتهم لله عز وجل، من الإغراق فيما يجهلون. على عكس بعض الذين يخوضون في آيات الله اليوم عن جرأة ووقاحة، ليلوون أعناقها عن جهالة لموافقة فرضيات أو نظريات علمية قد يأتي الزمان بما ينقضها، أو تأويلات توافق الهوى وتقف اللغة أمامها بفم فاغر من هول الدهشة وهي ترى قواعدها تنتهك على أيديهم.
-         أقوال المفسرين مهما بلغوا من مكانة علمية يمكن أن يستأنس بها، ولكن لا يتعبد بها، فالأصل لدينا الوحيين لا سواهما، ويمكن لمن ملك القواعد الصحيحة إعادة تأويل كلام الله وتفسير كتابه بما يتوافق مع الحقائق الثابتة وقواعد اللغة، فهو وحي معجز إلى قيام الساعة، وكلما جد عصر تتكشف لنا فيه بعض الخفايا من لطائف البيان وسحر الهداية لتكون لنا نورا وضياء.

وتبقى أرض الله إرثا لعباده الصالحين..


الثلاثاء، 14 أبريل 2020

لطائف الأوقات العصيبة





الأوقات العصيبة ما هي إلا أحاديث المستقبل، يمر عليها القُراء والمُنصتون ليأخذوا منها عبرة، أو خطرة، أو طرفة.
ومهما سرح المرء في خياله، لا يمكنه أن يعيش حدثاً كأبطال الأحاديث أنفسهم.
حتى أولئك الأقوام الذين طغوا وتجبروا في سالف الأزمان، كعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون وغيرهم ممن غرّهم حلم الرب، واستكبروا في الأرض بغير الحق حتى صارت أوقاتهم العصيبة قصصاً تُحكى (فجعلناهم أحاديث).

لنا فيها المواعظ رغم أنّ خيالنا لا يمكنه تصور حقيقة ما جرى من شدة هوله!
ولنا فيها انشراحاً في الصدر، لانتصار الرب لأنبيائه وأوليائه.

وحين نتمعن في محنة الرسول ﷺ وأنصاره عندما حاصرتهم قريش في شعب بني هاشم، أن يسلِّموا رسول الله ﷺ للقتلِ أو ينالوا العناءَ في محق المقاطعة إلى حد الهلاك جوعاً، حتى أنهم لأكلوا ورق الشجر.

يستذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه موقفاً طريفاً في عز الأزمة، حيث خرج ليتبول ليلاً، وفي أثناء قضائه الحاجة سمع بقعقعة تحته، فتحسسها، فإذا هي قطعة من جلد، فالتقطها، وغسلها، فصنع منها حساءً عدّه فاخرا، تقوّى به لثلاثة أيام.
ومن قلب هذه الأزمة، ولد عبدالله بن العباس ترجمان القرآن، والفقيه المحنك، الذي تزخر أمهات الكتب بقبس من حكمته.
ولك أن تتخيل بسمة سعدٍ وهو يروي للتابعين صنيعه، ولك أن تتبسم حينما تدرك أنه قد أبصر النور في زمن عصيب من أبصرنا النور، لست أقصد ابن عباس على جلال قدره، بل ذاك المولود في عام الفيل ﷺ

وهكذا توالت قصص الأوقات العصيبة عبر الأزمنة وما يحفّها من لطائف، كالحب في زمن الكوليرا على سبيل المثال.
إنّ أوقاتنا العصيبة في سنة الكورونا، يمكن أنْ تنقلب في شيء من جوانبها إلى لطيفة أو لطائف، لتكتمل الحكاية بشيء مما تنشرح به الصدور.
فهذان تزوجا في سنة الكورونا، وهذا ألف كتاباً، وهذه حصلت على شهادة عليا، وذاك حفظ المصحف، إلى ما لا حصر له.
إنّ الأيام العصيبة، يمكن أن يتخللها تخطيط، وهمة، وعزم، تجعل من رتابتها أملاً يكتمل به سيناريو النجاح.
ذاك الذي ستحكيه بعد سنين لأجيال لم تشهده، كأحفادك، أو عبر لقاء مصور بعد عقود، أو حينما تحتسي قهوتك على مقعد من الدرجة السياحية بجوار شاب فضولي، يريد أن يقتل بعض الوقت في الحديث معك في رحلة جوية طويلة إلى حدٍ ما..

فكر كيف يمكنك أن تجعل الحديث أكثر تشويقاً، لا تتردد، لا تتلكأ، اصنع الحدث الآن.


الاثنين، 13 أبريل 2020

غيبيّات العلم المنثور





أخال اليوم أننا نعيش في زمن يعشعش فيه الجهل المركب بكل شفافية ووضوح، ويتسابق فيه الناس لإظهار شغفهم بالمعلومة، وأي معلومة، وكأن المعلومة " المنقولة " نص مقدس لا يقبل الجدل، أو التشكيك.

في ظل هذه الثورة التقنية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد، وأدت إلى تكدس الفوضى المعلوماتية، شيء أشبه ما يكون بالانفجار الكامبري الذي كان ولا يزال يدهش كل البيولوجيين من علماء نظرية التطور وفي مقابلهم علماء نظرية التصميم الذكي، ليقدم كل طرف منهما مبرراته وتفسيراته، والتي تؤول في نهايتها إلى الإيمان بالغيبيات، سواء قصد أصحابها ذلك أو لم يقصدوه.

فإن كانت غيبيات أقطاب ذكاء التصميم تنتهي إلى الخالق العليم، فإن أقطاب التطور سواء كان الملاحدة منهم أم أنصار التطور الموجه؛ كلٌ لم يشهدوا تطور الكائنات من أصل مشترك خلال ملايين السنين، أي ما يعني أن منتهى الأمر ضرباً من الإيمان الغيبي المقبول عندهم.

وإن كان شأن الأوساط العلمية هكذا، فيبدو إن الإيمان بالغيبيات جزء من تكوين الإنسان حقيقة، ليؤدي دوره المناط بحمل الأمانة بعبادة الله وإعمار الأرض، فهو قادر على تصديق كل معلومة غيبية المصدر تطيش هنا أو هناك، من معرفات وهمية، ومن دون تثبت أو إثبات أو إثبات الإثبات نفسه، فكم من شخصية مدعية، تنشر الغث والسمين، دونما اختصاص أو موضوعية في النقل أو الطرح.

حاورت أحد المتشككين في الدين مرة، وكان معترضا على موضوع أنَّ شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المعاملات المالية. يقولها بكل تبجح وغرور، على الرغم من أنني فسرت ذلك نتيجة الظروف التي تمر بها المرأة كالدورة الشهرية والحمل والولادة والتي ثبت علميا تأثيرها على ذاكرتها غالبا، وتحتاج إلى من يذكرها. بينما تكون شهادتها فيما لا يتطلب استحضارا دقيقا للذاكرة كشهادة الرجل تماما.
فالمحدد الشرعي هنا أتى ليخفف عن كاهلها ما لا تطيق، في الفترات التي تكون فيها ليست على خير ما يرام.

وعلى الرغم من إيمان هذا الصديق العميق بأن نظرية التطور تعد بالنسبة له بديلا عن الإله، لكن ربما فاته ما يراه بعض علماء التطور أنفسهم في المرأة من الناحية البيولوجية، فهذا تشارلز داروين مؤسس النظرية، يقول:
(يبلغ الرجل مرتبة مرتفعة بكل ما يتناوله أكثر مما يمكن للمرأة سواء تطلب ذلك تفكير عميق أو عقل أو خيال أو مجرد استخدام الحواس واليدين فإذا كان الرجال مؤهلين للتفوق الواضح على النساء بالعديد من المواضيع فإن القوة العقلية للرجل يجب أن يكون أعلى من المرأة) 1.
حيث يكتفي بتأكيده على تفوق الرجل على المرأة، إلا أن الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون شطح لأبعد الحدود في رسم ملامح المرأة العقلية في كتابه الاختلافات في حجم الدماغ وعلاقته بالذكاء، ما نصه:
(النساء أدمغتهن أقرب للغوريلا من أدمغة الذكور الأكثر تطورا وهذا النقص واضح ولا خلاف عليه, يدرك جميع العلماء الدارسين لذكاء النساء أنهن أدنى أشكال التطور وأقرب للأطفال والهمج وأكثر تقلب وغياب للمنطق والعقل, هناك نساء متميزات لكنهن استثناء كغوريلا برأسين) 2.

إن الكثير من النظريات العلمية التي نالت حظوة وزخما علميا يوما ما، تبين زيفها بنظريات أخرى دحضت حججها الواحدة تلو الأخرى، لتصير إلى السفود، ثم إلى رماد تحمله الرياح.

ليست المشكلة في ثورة المعلومات المتناثرة، أكثر من الجهل المركب للمتلقين بأن لا دخل للمعلومة للأهواء أكثر من الإثبات.

___________________________
1)     أصل الإنسان، طبعة 1889، ص 564
2)     الاختلافات في حجم الدماغ وعلاقته بالذكاء طبعة 1879 المجلد الثاني ص45 و 46.

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019

جينة العناد من أجل البقاء






جينة العناد من أجل البقاء



في نقاش لطيف بيني وبين زميل عمل مغرم بعلم أنماط الشخصيات الـ16، كان مصرا على أن شخصيتي منحصرة في نوع يفضّل الكتابة والخيال، فأخبرته أنني غير مقتنع بتصوره، وأنا على اقتناع تام أن هذه الاختبارات على الرغم من قوتها، خاضعة للخطأ ونسبة الصواب فيها تحتمل الـ70%. فكان مصرا على أنّ هذا الاختبار دقيق جدا وأنه " علم " وما أدراكم أنتم أيها الجاهلون! فنمط شخصيتي هو الذي يجعلني أرفض الفكرة.
فجالدني وجادلته بأنني أعرف الاختبار هذا منذ أكثر من عشر سنين، وأجريته عدة مرات ولعدة سنوات متفرقة، ولاحظت أنّ شخصيتي وطبائعي تتغير طبقا للتطبع والتطوير والخبرة وعبر عوامل العلم والتجربة. فظل مصرا على رأيه، ناظرا إليّ بشزر بأنني أقلل من شأن العلوم، ثم فكر وقدّر، وقرر من تلقاء نفسه أنني قد أكون أعاني من التكيف على أنماط شخصيات أخرى رغما عن طبيعتي.

لم أعر ما قاله اهتماما، وابتسمت له مازحا بأنك تشبه إلى حد كبير أولئك الذين يحددون نمط الشخصية بناء على " الأبراج" فانفعل وقال منتشيا بأن نمط شخصيتي هو الذي يجعلني أؤمن بالأبراج وتصديقها، على الرغم من أنّ من يعرفني جيدا يدرك ازدرائي الدائم بـعلم ما يسمى "لأبراج" ولكن ما سبيلي على من يجادلني من أجل البقاء.

وعلى صعيد علميّ آخر، يأتيك المؤمنون بـدين " التطور" أو  " النظرية الهشة " كما يحب تسميها العالم المعاصر ديفيد بير لنسكي وهو " لا أدري" إن كنت لا تدري. إنّك بمجرد النقاش مع حضراتهم من أول لحظة _ ولو على سبيل البحث عن الحقيقة_ يتسلل إليك شعور بأن الحوار ديني أكثر من كونه علميّا بحتا. أعني بأن الدارويني يفترض بأنّ "تدينك" يحتم عليك رفض النظرية وعند البدء بتفنيد حُججها الواحدة تلو الأخرى، تجده يقاوم كل ذلك بعنصر "الإيمان الصادق الذي لا يتخلله شك في النظرية" وليردد علي أوراد الدحض بأن الدلائل عليها كثيرة جدا. على الرغم من أن جلها يصب في صالح التطور الصغروي لا الكبروي؛ وهو تحول الكائنات من أسماك إلى زواحف إلى طيور إلى ثديات وعودة بعض الثديات إلى البحر وتحولها إلى حيتان ودلافين عبر طفرات عشوائية وانتخاب طبيعي خلال ملايين السنين. لتبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابات، ويستمر الجدال من أجل البقاء.

وعلى ذكر الدين، أذكر أنني صلّيت المغرب في أحد المساجد، وقد التحقت بجماعة متأخرة، فلم أجد مكانا أصلي فيه بينهم إلا بجوار الإمام. وفور إتمامي صلاتي، فوجئت بشاب عشريني يعظني مستنكرا مروري أمام المصلين، فأخبرته أنني درست في فتوّتي قبل قرابة عشرين سنة المذهب المالكي، وعرفت منذ ذلك الحين أنّ السترة تكون للإمام دون المأمومين، فنظر إلى بغضب وقال بانفعال بأن معلومتك خطأ واسأل أي شيخ. فابتسمت له قائلا "شكرا جزلا" وخرجت فأنا لا أحب الجدل في مسائل خلافية، هكذا ظننت، إلى أن ساقني الفضول لأجد بأن السترة تكون للإمام تعد محل إجماع بين المذاهب نقله غير واحد من أهل العلم وليست مسألة خلافية أصلا.

في كثير من الأحيان أشعر أن العناد المرتبط بالجهل يكون حتما في جينات المرء، ما عشعش فيه الجهل، وانطمست عنده رغبة العلم المجرد، ليظل العناد من أجل البقاء أصلا مرتكزا من أصول الجنس البشري.