أخال
اليوم أننا نعيش في زمن يعشعش فيه الجهل المركب بكل شفافية ووضوح، ويتسابق فيه الناس
لإظهار شغفهم بالمعلومة، وأي معلومة، وكأن المعلومة " المنقولة " نص مقدس
لا يقبل الجدل، أو التشكيك.
في ظل
هذه الثورة التقنية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد، وأدت إلى تكدس
الفوضى المعلوماتية، شيء أشبه ما يكون بالانفجار الكامبري الذي كان ولا يزال يدهش كل
البيولوجيين من علماء نظرية التطور وفي مقابلهم علماء نظرية التصميم الذكي، ليقدم
كل طرف منهما مبرراته وتفسيراته، والتي تؤول في نهايتها إلى الإيمان بالغيبيات، سواء
قصد أصحابها ذلك أو لم يقصدوه.
فإن كانت
غيبيات أقطاب ذكاء التصميم تنتهي إلى الخالق العليم، فإن أقطاب التطور سواء كان
الملاحدة منهم أم أنصار التطور الموجه؛ كلٌ لم يشهدوا تطور الكائنات من أصل مشترك
خلال ملايين السنين، أي ما يعني أن منتهى الأمر ضرباً من الإيمان الغيبي المقبول عندهم.
وإن كان
شأن الأوساط العلمية هكذا، فيبدو إن الإيمان بالغيبيات جزء من تكوين الإنسان حقيقة،
ليؤدي دوره المناط بحمل الأمانة بعبادة الله وإعمار الأرض، فهو قادر على تصديق كل
معلومة غيبية المصدر تطيش هنا أو هناك، من معرفات وهمية، ومن دون تثبت أو إثبات أو
إثبات الإثبات نفسه، فكم من شخصية مدعية، تنشر الغث والسمين، دونما اختصاص أو
موضوعية في النقل أو الطرح.
حاورت
أحد المتشككين في الدين مرة، وكان معترضا على موضوع أنَّ شهادة المرأة نصف شهادة
الرجل في المعاملات المالية. يقولها بكل تبجح وغرور، على الرغم من أنني فسرت ذلك نتيجة
الظروف التي تمر بها المرأة كالدورة الشهرية والحمل والولادة والتي ثبت علميا
تأثيرها على ذاكرتها غالبا، وتحتاج إلى من يذكرها. بينما تكون شهادتها فيما لا
يتطلب استحضارا دقيقا للذاكرة كشهادة الرجل تماما.
فالمحدد
الشرعي هنا أتى ليخفف عن كاهلها ما لا تطيق، في الفترات التي تكون فيها ليست على
خير ما يرام.
وعلى
الرغم من إيمان هذا الصديق العميق بأن نظرية التطور تعد بالنسبة له بديلا عن
الإله، لكن ربما فاته ما يراه بعض علماء التطور أنفسهم في المرأة من الناحية
البيولوجية، فهذا تشارلز داروين مؤسس النظرية، يقول:
(يبلغ
الرجل مرتبة مرتفعة بكل ما يتناوله أكثر مما يمكن للمرأة سواء تطلب ذلك تفكير عميق
أو عقل أو خيال أو مجرد استخدام الحواس واليدين فإذا كان الرجال مؤهلين للتفوق
الواضح على النساء بالعديد من المواضيع فإن القوة العقلية للرجل يجب أن يكون أعلى
من المرأة) 1.
حيث
يكتفي بتأكيده على تفوق الرجل على المرأة، إلا أن الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف
لوبون شطح لأبعد الحدود في رسم ملامح المرأة العقلية في كتابه الاختلافات في حجم
الدماغ وعلاقته بالذكاء، ما نصه:
(النساء
أدمغتهن أقرب للغوريلا من أدمغة الذكور الأكثر تطورا وهذا النقص واضح ولا خلاف
عليه, يدرك جميع العلماء الدارسين لذكاء النساء أنهن أدنى أشكال التطور وأقرب
للأطفال والهمج وأكثر تقلب وغياب للمنطق والعقل, هناك نساء متميزات لكنهن استثناء
كغوريلا برأسين) 2.
إن الكثير من النظريات العلمية التي نالت حظوة وزخما
علميا يوما ما، تبين زيفها بنظريات أخرى دحضت حججها الواحدة تلو الأخرى، لتصير إلى
السفود، ثم إلى رماد تحمله الرياح.
ليست المشكلة في ثورة المعلومات المتناثرة، أكثر من
الجهل المركب للمتلقين بأن لا دخل للمعلومة للأهواء أكثر من الإثبات.
___________________________
1) أصل
الإنسان، طبعة 1889، ص 564
2) الاختلافات
في حجم الدماغ وعلاقته بالذكاء طبعة 1879 المجلد الثاني ص45 و 46.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق