الأحد، 12 أغسطس 2018

مؤلفون في "سوق واجف"



Image result for teen boy smartphone


يسمونه سوق واجف أو سوق الجمعة أو شبرة كلها ينابيع مسميات تصب في نهر واحد؛ هو  ذاك السوق الشعبي الذي يعرض فيه كل بائع بضاعته التي جناها أو زرعها أو صنعها  في "بسطة" صغيرة خاصة، و يقف خلفها يدلل عليها، ويروّج لها بأعلى صوته.

نحن هنا لا نتحدث عن بسطة للسمك أو الخضار أو الحمام وغيرها من الحرف البسيطة، بل عن بسطة المؤلفين الذين صاروا في زماننا تجارا أكثر من كونهم مثقفين، ولا أعني هنا دور النشر والناشرين فذلك شأن آخر.

صار الكاتب في زماننا كتاجرة ورق العنب في "إنستقرام" تماما، لا فرق، كلاهما بائعان في "سوق واجف" الحديث المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، الانهماك في التصوير، التسويق، وعرض آراء الجمهور في المنشورات اليومية، والحصول على الأرباح بجهد لا يتعدى الدقة وجمالية التصوير.

إلا أن الفرق الوحيد بين الحالتين هي الحاسة التي يتم تقييم البضاعة المعروضة بها، فورق العنب يعتمد على حاسة التذوق التي يتشارك فيها البشر جميعهم بغض النظر عن مستواهم العلمي أو المعرفي، فأي إنسان متذوق لورق العنب يستطيع أن يمايز بين الجيد والرديء، وبالتالي يمكن أن تنجح تاجرة ورق عنب "إنستقرامية" وتفشل أخرى.

ولكن إذا عرفنا أن عددا لا بأس به من الخراف البشرية لديها القدرة على أكل ورق العنب دون أن تهتم بجودته، فعندها نعي أن التسويق الجيد، هو اللاعب الرئيس لجني الأرباح والترويج للبضاعة في الشبرة الإلكترونية.

وكم من كتاب، خدعني عنوانه، وغرني تقييمه، وأغواني عدد متابعي حساب مؤلفه، فما وجدته بعد أن اشتريته إلا كومة من الهراء لا طائل من ورائها، بلغة ركيكة لا تمتع الأديب ولا يفهمها اللبيب.

حينما دب في رأسي تساؤل وجودي من شقين، لماذا أكتب ولماذا نشرت ما أكتب؟!

فقلت بعد أن استجمعت قواي، كتبت حين كتبت أول مرة لأنني أملك منذ صغري بحرا من الخيال، هكذا قال عني الكبار حين كنت طفلا. ولأنني أقرأ كثيرا وأريد أن أتشارك العلم مع الآخرين، ولأنني أريد أن أنشر القيم النبيلة، ولأنني أريد أن يتذكرني الناس بعد موتي بكل خير، فلم يكن المال هدفي ابتداء، إلا إذا جاء فهو تحصيل حاصل. وكان هدفي من النشر هو الوصول برسالتي إلى أكبر شريحة.

قال لي أحد أصدقائي الناشرين يوما بما معناه: ( إن الموزعين لديهم مافيا سرية، يرفعون كتب أقوام ويضعون آخرين)
وهم بلا شك أولئك الذين خفتت أصواتهم عن التسبيح بحمد مؤلفاتهم.

ولذلك فشلت وفشل غيري ممن منعهم الكبرياء للوقوف خلف مؤلفاتهم في سوق واجف الافتراضي "وسائل التواصل الحديث" أو  سوق واجف الفعلي "معارض الكتب"، وكبلهم الحياء من التدليل عليها بأعلى صوت؛ بأنها أفضل ما قيل، وأزكى من السلسبيل، وأنها فريدة عصرها ووحيدة دهرها... إلخ.

وفي حديث ودي مع صديق من مثل نوعي، تساءلت قائلا: ماذا لو أننا ننشر للناس ما نكتبه بالمجّان في مدوناتنا على الإنترنت؟ أظن أننا سنوفر على الناشرين أتعاب الطباعة، وقد نصل إلى أكبر شريحة من القراء دون الحاجة للوقوف في سوق واجف...

هامش: إذا كنت أحد الذين لديهم بسطة مؤلفات في سوق واجف، فليس بالضرورة أن تكون كتبك سيئة، وأنا لا أحسدك، بل بالعكس بارك الله لك في مالك وحلالك.