قبل أشهر، انتشر مقطع فيديو
قصير على حسابات خليجية على منصة " الانستقرام" لشاب _يرتدي كاب_ يُسلم
على صديقه بالأنوف، كما جرت العادة المحلية المعروفة في مجتمعنا الخليجي على وجه
العموم، والإماراتي على وجه الخصوص "السلام بالخشم" هكذا نسميه، ولأن الشاب
كان يرتدي " الكاب " اضطر لإمالة رأسه قليلا كي يتسنى له الوصول للــ "أنف"
المستهدف بيسر وإنهاء العملية بنجاح ودون معوقات.
الأمر الذي أثار لغطا كبيرا،
وجدلا واسعا، وسيلا من السباب، بعدما اتهم الشابين بممارسة الشذوذ، ولتمتلئ خانة
التعليقات بسجالات لا يدان لأحد بحصرها، بينما وقفت وبعض الإماراتيين حيالها
مشدوهين، لنصحح للمتشاكسين أن الأمر لا يعدو "سلاما بالخشوم" وليس
كما ظن الأغلب أنها قبلات بالشفاه، وأن إمالة الرأس كان سببها القبعة لا أكثر.
إن اعتيادنا على ذلك في مجتمعنا،
جعلنا لا نرى فيه غضاضة، ونستغرب ممن يستغرب منه، حتى إنني مرة انفجرت ضاحكا من
تعليقات "أجنبية" من قبيل "Nice Couple!" على صورة لشابين يتبادلان السلام بالأنوف، فظنوا أن بينهما
العلاقة إياها!
كل ما في الأمر، أن كامل
الصورة لا يراه من لم يعش في مجتمع الإمارات، ولم يقرأ عنه وعن عاداته، ولو عرفوا
لظهر الجزء المفقود، ولما كان للاستهجان بعدها معنى.
تماما، كما يستشكل الكثيرون
العبودية التي قننها الإسلام ولم ينهها بجرة قلم، فهناك صورة نمطية ينبغي محقها أولا، وعرض
الصورة المثلى على حقيقتها، حينها يزول الإشكال، ويتوقف السؤال.
إن الرق الذي أتحدث عنه ليس متمثلا في إنسان أسود يُضرب
بعصا من قبل إنسان أبيض، فضرب المولى في التشريع الإسلامي " كفارته أن يعتقه"
(صحيح مسلم وغيره) !
كما أن حالة البقاء على الرق كانت اختيارية بيد
الموالي أنفسهم والذين شرع لهم حق المكاتبة، ولا يحل للسيد أن يرفض المكاتبة،
ويمنع مولاه من نيل حريته إذا طلبها كما سيأتي.
فالتأكيد على هذه النقطة وكون أن الموضوع "اختياري"
ينفي أي إكراه.
إذن، فاستقباح الأمر يحتم استقباح كل شيء يتم بمحض
اختياري، وكل المهن ستبدو بشكل أو بآخر نوعا من أنواع الاستعباد، وما تطمح له النفوس
من حياة رغيدة للجميع، ليس محلها هنا على الأرض، بل أنت هنا موجود لتُختَبر،
وتعاني، وتكافح، يخدم في هذه الحياة البشر بعضهم البعض، فهناك عامل المناجم،
والفلاح، والمعلم، والطبيب والمهندس، والأمير، والوزير، وقائد الجيش الكبير،
والجندي الصغير وغيرها من المهن مما دنا أو علا.
وقد ذُكر هذا بشكل واضح في كتاب الله عز وجل:
" نَحْنُ
قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا" [الزخرف (32)]
فوجود هذا التناوع والتسخير ضروري، لتسير عجلة
الحياة، بل حتى الطبائع النفسية البشرية والمؤهلات تلعب دورا في ذلك.
فالراحة الأبدية في السماء!
وماذا عن التقييد؟
دعونا ننظر بعين العدسة المكبرة لكثير من الوظائف
التي تمارس في عصر "التحرر من العبودية" المزعوم، سنجد أن التقييد في أبهى
حلله، بل وبشكل فج، وينتهك في أحيانٍ كثيرة كرامة الإنسان نفسه.
فمثلا، العمل في الجهات الأمنية، أو الشرطية، أو القوات
المسلحة، يحتم على الموظف في كثير من الأوقات العمل على مدار 24 ساعة، ودون أي تعويض.
أن يكون هذا الشخص "in call" في أي وقت، باتصال واحد من مسؤوله يوجب عليه أن يكون متوفرا ليعمل.
كما تفرض هذه الجهات تقديم طلب للحصول على موافقة المسبقة على
زواج أو على سفر، فيحظر على الموظف الزواج من جنسيات معينة، أو المنتمين إلى
الأحزاب السياسية، وذلك حفاظا على المؤسسة الأمنية من الأدلجة أو تسريب المعلومات
الخطيرة أو التجسس. وينطبق الأمر على السفر إلى أماكن معينة.
هذه القيود والتدخل السافر في خصوصية الأفراد
العاملين يمكن أن تصنف كنوع من العبودية المقننة، ناهيك عن طاعة الجنود العمياء
لقادتهم دون نقاش، وهو يعتبر عرفا عاما في كل جيوش العالم، ولن تقوم قيامة أي جيش
من غير هذا العرف.
وهذه الطاعة العمياء المطلقة، يمكن تكون نوعا من
أنواع العبودية المقننة أيضا، فكل مرتب في الجيش ينادي من يعلوه رتبة بلقب (سيدي)
وينفذ كل طلباته قائلا ( حاضر سيدي .. وأمرك سيدي) فكسر الأمر يعرض صاحبه لمحاكمة عسكرية، تصدر
عنها عواقب وخيمة.
كذلك، في كثير من الدول "المتحضرة" تجد
كثيرا من الرجال والنساء يحصلون على مستحقات الحياة ( ملبس مأكل مشرب مأوى) عن
طريق تجارة الجسد، كالعمل في الدعارة أو الملاهي الليلية، التعري أمام الجمهور، أو
ممارسة الجنس مع أي كان وأمام أي كان، إنها أوامر المسؤول أو السيد صاحب العمل، ويجب أن تنفذ. وليس
ببعيد عن ذلك حال عارضي الأزياء، فكما أن أجسادهم تنتهك خصوصيتها، فهم لا يأكلون
ما يشتهون، والكثير منهم مجبر على الدخول في أنظمة غذائية صارمة تتحكم في نوعية
الطعام والشراب واللباس في سبيل الاستعراض بالأجساد.
فهل يمكن أن تكون هذه إلا عبودية مقننة؟!
أضف إلى ذلك، ماذا لو سألت شخصا ما، كيف تصبح مهندسا؟!
هل يتم ذلك بالوراثة؟!
أن ترث الهندسة من والدك أو أمك؟!
قد يكون والداك الاثنان مهندسين، ولكنك لن تصبح
مهندسا إلا إذا درست وتعبت وحصلت على شهادة الهندسة من جامعة معترف بها.
إذن، فالمعاناة جزء من الاستحقاق، التزامك بحضور الحصص،
أداء الامتحانات، وعمل عدد من المشاريع والأبحاث.
ستحصل بعدها على شهادة تؤهلك للعمل، وتحصل على وظيفة
لا يحصل عليها عامل نظافة، أو راقصة باليه، أو راهب.
ولا أعتقد أنه من العدالة أن نزج بجندي لا يفقه إلا
في أمور الوحدة العسكرية التي يعمل بها، ونناوله مشروعا هندسيا، دون أن تكون له
شهادة هندسة.
يجب عليه أن يدرس ويحصل على شهادة كي
ينال الاستحقاق.
علاوة على ما سبق، هناك جهات أعمال، تقدم منحا دراسية للطلبة الجامعيين،
وعليهم أن يدرسوا في تخصصات تحدد من قبل هذه الجهات، شريطة أن يعمل مدة معينة عددا
من السنين في تلكم الجهة المانحة، وإلا اضطر لدفع قيمة المنحة من ماله الخاص.
الكثيرون بعد ذلك تفوتهم فرص عمل ذهبية بسبب هذا
القيد، للعمل في جهات أو شركات أخرى برواتب مغرية، فهم لا يتحملون قيمة الديون
التي يمكن أن تترتب عليهم.
البعض أيضا يمكن أن يعاني من بيئة عمل سيئة ويجبره
هذا القيد على الالتزام والاستمرار بالمدة الزمنية رغم كل الظروف.
هذه يمكن أن توصف بعبودية مقيدة أيضا.
جميع المهن التي تم ذكرها وغيرها من المهن، فيها عنصر
واحد مشترك وهو الاختيار بالبقاء، أو اختيار التغيير وتحمل العواقب على ذلك.
لنعد إذن إلى العبودية في نظام التشريع الإسلامي، ودعونا أولا نطرق باب أبي هريرة
رضي الله عنه، فكما أنه اشتهر بتعليم الناس ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، من
سير وأحاديث وحكم، فهو يمثل أيضا حالة اجتماعية توجد مثلها بالأمس واليوم، وغدا.
فلم يكن مُعدما أو فقيرا على الدوام، فقد رعى الغنم في صغره، وعمل بكد يده شابا،
وتولى إمارة البحرين والمدينة المنورة كهلا، وكان يبيع الحطب، ولديه من الموالي
أيضا.
ثم نجده يقول ذات يوم:
(والَّذي نَفسي بيدِهِ لولا الجِهادُ والحجُّ وبرُّ أمِّي ، لأحببتُ أن أموتَ
وأَنا مملوكٌ)[البخاري ومسلم]
لم يكن عبدا ولكنه لم يرى
بأسا أن يكون عبدا مملوكا لأحدهم، فهل هنالك عاقل يتمنى العبودية؟!
أم لأن هناك سببا أعمق من
ذلك.
ليس سببا، بل أسباب:-
أولا: رَفْعُ الإسلام النظرة الدونية عن
المماليك وإرساء حقوقهم:
تم ذلك بتكريس المؤاخاة بين الطرفين، ونهى عن
مناداتهم (بعبدي وأمتي) فكلنا عبيد وإماء لله، وجعل مناداتهم ( بفتاي وفتاتي
وغلامي وجاريتي) وهذا ضروري لتأهيل المماليك نفسيا، وعدم إشعارهم بالدونية. كما
نهى عن ضربهم، وأوجب الحدود على من قتل أو جدع أو آذى أيا منهم. وأمر أن يُلبَسوا
من نفس الملبس ويأكلوا ويشربوا من نفس الطعام، كما أمر بتزويجهم: (وَأَنكِحُوا
الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن
يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
(32) سورة النور).
وأوجب كذلك عدم تحميلهم فوق طاقتهم، بل وإعانتهم.
إذن، فالعبد يتحصل جراء خدمته، مجموعة من الحقوق تريح
كل من لا يطمح بغير توفير الغذاء والكساء والمسكن والزوج والدواء.
ومن لا يريد ذلك فليكاتب مولاه، ويشتري نفسه، فيعتقها.
والمكاتبة توفر إعتاق الذات على أقساط ميسرة بمدد
زمنية ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا).
إضافة
إلى إعفاء من بعض الدفعات ومساعدتهم إذا تعثروا (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)
النور 33.
ثانياً: لم يشجع الإسلام على الرق بل
العكس فبعد أن قننه، شجع على العتق في صور كثيرة جدا، من القرآن والسنة.
ومن الجدير بالذكر عند قراءتنا للقرآن، نجد دائما عقب
الكفارات المخصصة بعتق الرقاب قوله تعالى ( فمن لم يجد) وفيها إشارة واضحة،
بأن هنالك احتمالية كبيرة، في أنك أيها المسلم، في يوم ما، قد لا تجد رقبة تعتقها
وتكفر بها عن جريرتك.
ثالثاً: تولى الموالي والمماليك أعمالا
كثيرة بدءا بالأعمال اليدوية وانتهاء بالإمارة، ونجد ذلك واضحا في النصوص الشرعية، والتاريخ، فلا يوجد مانع من ذلك أصلا!
فقد أورد البخاري في باب السمع والطاعة للإمام (
الحاكم أو الأمير) ما لم تكن معصية، هذا الحديث النبوي:
"اسْمَعُوا
وَأَطِيعُوا ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ".
نحن هنا نتحدث عن سابقة نوعية في إمكانية تولي
العبيد للإمرة، وأيضا حدد بقوله (حبشي)، والمخاطبين في حينها أكثرهم من "العرب" الأوس
والخزرج والقرشيين، الذين كانوا يتباهون بأحسابهم وأنسابهم، فقرر الشارع أن تولي
العبيد السود جائز وممكن شرعا، وعليك أيها العربي الذي تباهي بحسبك ونسبك أن تطيع
أوامره!
سواء كان إماما دينيا في الصلاة أو إماما في شأن من
شؤون الحياة.
والحوادث التاريخية في ذلك كثيرة جدا جدا،
منها أن عمر بن الخطاب لقي نافع بن الحارث وَكانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُ نافعا واليا
علَى مَكَّةَ، فَقالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ علَى أَهْلِ الوَادِي، فَقالَ ابْنَ
أَبْزَى، قالَ: وَمَنِ ابنُ أَبْزَى؟ قالَ: مَوْلًى مِن مَوَالِينَا.
قالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عليهم مَوْلًى؟!
قالَ: إنَّه قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وإنَّه عَالِمٌ بالفَرَائِضِ.
قالَ
عُمَرُ: (أَما إنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قدْ قالَ: إنَّ
اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ) [صحيح مسلم]
هذا وقد ورد في الأثر الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبيل
موته بأنه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا، لأوصى له بالخلافة!
صدق أو لا تصدق، سالم الفارسي الأصل ومن الموالي كان
يمكن أن يتولى الخلافة.
ومن منا لم يسمع عن دولة اسمها دولة المماليك، لماذا
مماليك؟
لأنهم فعلا كانوا عبيدا، وحكموا مصر حقبة من الدهر،
وقادوا الجيوش، وصدوا الغزو المغولي في أبهى صور البطولة.
وتلخيصا لما سبق، إن العبودية في الإسلام قائمة
على البقاء فيها مختارا للراغبين، لهم ما لهم من حقوق، كما أن عليهم واجبات، وحقهم
مصان، في أنقى سبق لحقوق وكرامة للإنسان.
هكذا يمكن أن تبدو ملامح كامل الصورة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق