الثلاثاء، 14 أبريل 2020

لطائف الأوقات العصيبة





الأوقات العصيبة ما هي إلا أحاديث المستقبل، يمر عليها القُراء والمُنصتون ليأخذوا منها عبرة، أو خطرة، أو طرفة.
ومهما سرح المرء في خياله، لا يمكنه أن يعيش حدثاً كأبطال الأحاديث أنفسهم.
حتى أولئك الأقوام الذين طغوا وتجبروا في سالف الأزمان، كعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون وغيرهم ممن غرّهم حلم الرب، واستكبروا في الأرض بغير الحق حتى صارت أوقاتهم العصيبة قصصاً تُحكى (فجعلناهم أحاديث).

لنا فيها المواعظ رغم أنّ خيالنا لا يمكنه تصور حقيقة ما جرى من شدة هوله!
ولنا فيها انشراحاً في الصدر، لانتصار الرب لأنبيائه وأوليائه.

وحين نتمعن في محنة الرسول ﷺ وأنصاره عندما حاصرتهم قريش في شعب بني هاشم، أن يسلِّموا رسول الله ﷺ للقتلِ أو ينالوا العناءَ في محق المقاطعة إلى حد الهلاك جوعاً، حتى أنهم لأكلوا ورق الشجر.

يستذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه موقفاً طريفاً في عز الأزمة، حيث خرج ليتبول ليلاً، وفي أثناء قضائه الحاجة سمع بقعقعة تحته، فتحسسها، فإذا هي قطعة من جلد، فالتقطها، وغسلها، فصنع منها حساءً عدّه فاخرا، تقوّى به لثلاثة أيام.
ومن قلب هذه الأزمة، ولد عبدالله بن العباس ترجمان القرآن، والفقيه المحنك، الذي تزخر أمهات الكتب بقبس من حكمته.
ولك أن تتخيل بسمة سعدٍ وهو يروي للتابعين صنيعه، ولك أن تتبسم حينما تدرك أنه قد أبصر النور في زمن عصيب من أبصرنا النور، لست أقصد ابن عباس على جلال قدره، بل ذاك المولود في عام الفيل ﷺ

وهكذا توالت قصص الأوقات العصيبة عبر الأزمنة وما يحفّها من لطائف، كالحب في زمن الكوليرا على سبيل المثال.
إنّ أوقاتنا العصيبة في سنة الكورونا، يمكن أنْ تنقلب في شيء من جوانبها إلى لطيفة أو لطائف، لتكتمل الحكاية بشيء مما تنشرح به الصدور.
فهذان تزوجا في سنة الكورونا، وهذا ألف كتاباً، وهذه حصلت على شهادة عليا، وذاك حفظ المصحف، إلى ما لا حصر له.
إنّ الأيام العصيبة، يمكن أن يتخللها تخطيط، وهمة، وعزم، تجعل من رتابتها أملاً يكتمل به سيناريو النجاح.
ذاك الذي ستحكيه بعد سنين لأجيال لم تشهده، كأحفادك، أو عبر لقاء مصور بعد عقود، أو حينما تحتسي قهوتك على مقعد من الدرجة السياحية بجوار شاب فضولي، يريد أن يقتل بعض الوقت في الحديث معك في رحلة جوية طويلة إلى حدٍ ما..

فكر كيف يمكنك أن تجعل الحديث أكثر تشويقاً، لا تتردد، لا تتلكأ، اصنع الحدث الآن.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق