ومن ذا الذي ينكر عقلية هذا الرجل الفذة؟!
لقد كان أعجوبة زمانه، أصغر أعضاء مجلس الشورى القرشي سنا، بسبب ذكائه
وكياسته، ذاك المجلس المسمى بدار الندوة.
لقبه بين بني قومه " أبا الحكم " وذلك لرجاحة فكره، وعمق حكمته،
ورزانة رأيه.
أعتقد أنني أكثرت فيه الإطراء، رغم أن تاريخ هذا الرجل مليء بالشر، ولكن لا
يمنع هذا أن ننقل الحقيقة الموثقة، عن رجل كان يمكن أن ينال شرفا ما بعده شرف لو
أنه لم يجدد مذهب الغواية البشرية المتجذر منذ فجر التاريخ، ليكون من أئمته.
ذاك المذهب الذي أساسه الهوى، وعموده إيذاء الأنبياء، ومعاداة الصالحين والصديقين،
وقتل الأبرياء، ذاك المذهب القائم على لبنات الـ " الكبرياء ".
الصفة التي هي سبب كل خطيئة منذ إبليس الذي عاند الرب إلى الأبد؛ بسبب سجدة
حفاظا على كبريائه، رفض الرجوع والتوبة، بل واصل بكل وقاحة وتبجح طالبا من الله أن
يؤخر عقابه وحسب.
أما عمرو بن هشام فلم يغنه ذكاؤه بعد أن حفه بسياج من الكبرياء، وقرر أن الراجح في
مذهبه العمى على الهدى، والهوى على الحق، والعناد حتى آخر رمق.
قال له الأخنس بن
شريق يوم بدر: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد؛ أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا
من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق،
وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا
يكون لسائر قريش؟" 1
وقد سأله يوما ابن
أخته مسور بن مخرمة عن حقيقة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ قال: "يا خالي،
هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" فقال: "يا ابن أختي،
والله! لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا
عليه كذبا قط". قال: "يا خال، فما لكم لا تتبعونه؟" قال: "يا
ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا
وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي. فمتى
ندرك مثل هذه؟!" 2
لم يكن يمنعه إذن غير
" الكبرياء" فكان الراجح في مذهبه، ووقف ليجلب على الحق بكل
الحيل الجهنمية، ترغيبا وترهيبا، وما أوتي من فصاحة لسان ورجاحة عقل ليؤثر في عموم
الناس.
إن عبقرية كهذه لم تكن الأولى ولم تكن الأخيرة، ولذا كانت المعايير الإلهية
صارمة في عدالتها بعد إذ منحت الأمانة لمن سألها، الأمانة التي ناطها بالإنسان،
أمانة الهداية المختارة، وأمانة الخلافة الواعية في الأرض، وأمانة الإرادة عن قصد،
وكل ذلك لا يتأتى بالكبرياء، مهما بلغ المرء من عبقرية أو ذكاء.
إن أتباع مذهب أبي جهل باقين ما بقي الزمان، وإنك لتراهم في زماننا وقد
لبسوا عمامة "العلم التجريبي" بدلا من عمامة الحكمة والحصافة
والفصاحة، فأدلجوا العلم ونظرياته في خدمة رفض الحقيقة الإلهية، لا لشيء
إنما هو الكبرياء، ولكن بلون وطعم مختلفين.
وإنني لأنتهز هذه الفرصة للإحالة إلى كتابي "وهم الشيطان"
للبروفيسور ديفيد بيرلنسكي، و "أوهام الإلحاد العلمي" للدكتور محمد
باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية؛ لترى الأمثلة العملية في التزييف المجرد لنصرة
الأهواء، وأدلجة العلم في سبيل الكبرياء.
وحتى تكتمل أي صورة، وفي خضم الفوضى المعلوماتية الخلاقة، لنقرأ ولكن
بعينين، إحداهما فاحصة، والأخرى ناقدة، وإلا كنا كعموم من اغتر بعبقرية عمرو بن
هشام، واتبع الراجح على مذهبه.
1) ابن القيم: هداية الحيارى
2)
المرجع السابق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق