الخميس، 24 نوفمبر 2016

شهادة لائق نفسيا...!

 


قبل أكثر من عشر سنوات، كدت أطير من الفرح بعدما أخذ الشرطي يحرر لي ورقة النجاح في فحص رخصة قيادة السيارة العملي، ففي ذلك العام، تم إنشاء مدرسة الإمارات لتعليم قيادة السيارات، وتقرر أن على مقدم طلب رخصة قيادة السيارة أن يحضر الدورات النظرية، وينجح فيها، قبل أن يباشر التدريب العملي.

ولحداثة سني في ذلك الوقت، لم أدرك جدوى الدراسة النظرية، وكنت أردد ما كان على لسان أقراني من أن تلك الدروس "عديمة النفع" و "نحن شباب، والقيادة مهارة تجري في عروقنا" وغيرها من السخف.

إلا أن الحق يحق، والزمن كفيل بأن يبصر المرء ما لم يكن يدرك كنهه، ومن هنا أعلنها أنني صرت أدين بسلامتي المرورية لتلك الدورة النظرية القصيرة، والتي كانت عونا لي بعد حفظ الله عز وجل، في النجاة من مآزق لم أحسب لها حسابا.
ولا أشك أنها كما أنقذتني، فإنها أنقذت غيري من خطر محدق، وإن كانت لن تقضي على الحوادث كليا، فهذا محال، إلا أن فضلها كان في غرس الوعي لدى جمع كبير من السائقين.


من دروس الحياة، أننا نكبر لندرك الغاية من تعلم بعض الأشياء من تلاميذها الكبار، ولكننا نستعجل الحكم على الأشياء قبل الإمعان والنظر، فترد علينا الحياة بجواب الخضر لموسى عليهما السلام: "إنك لن تستطيع معي صبرا".

ومثل رخصة قيادة السيارات، جاء الإلزام بشهادة اللياقة الطبية للمقدميْن على الزواج شرطا لإتمام إجراءات عقد القران، وذلك حفاظا على صحة ذريتهما من الأمراض الوراثية.

وإذا كان الإلزام جاء للحفاظ على الإنسان، فالحفاظ على الكيان الذي يأتي بالإنسان لا يقل أهمية.
فلا يخفى على أحد أرقام إحصاءات الطلاق الكارثية، ومعاناة كثير من الشباب والشابات المتزوجين حديثا لتذويب الثلوج في العلاقة مع الشريك، وفهم بعضهما، وزرع بذور المودة والرحمة بينهما.

وحين نبحث عن سبب الأسباب، وجرثومة المرض، وجذر المشكلة الرئيس، نجده يتمحور حول كلمة واحدة، ألا وهي "الوعي".

ولأننا نعلم أن المقبلين على الزواج غالبا ينطلقون من مشاعرهم، والكثير منهم لا يقرأ، ولن يقرأ، ولن يهتم بحضور الدورات التثقيفية، فيصير الطلاق هو أول ما يفكرون به عند كل صدع صغير يضرب عش الزوجية.

ومن هنا أدعو الجهات المختصة إلى ما يلي:
  •           تعميم دورة نظرية نظامية إلزامية يطرحها المتخصصون لكلا الجنسين، هدفها توعية المقبلين على الزواج بما لهم وما عليهم، وتفقّههم بسبل التفاهم والعلاقة السليمة فيما بينهم والمبنية على الحوار، وتنير عقولهم بكل ما يزيد الألفة والمودة، وتزودهم بأرقام الخط الساخن لفريق الإصلاح الاجتماعي، في حال واجهتهم بعض المنغصات المزعجة مع شريك الحياة مستقبلا؛ للحصول على النصح والمقترحات المعالجة بشكل يراعي السرية والخصوصية.
  •         أن تمنح شهادة "اللائق نفسيا" بعد اجتياز الاختبار للتأكد من وعي المقبل على الزواج، وتأهله نفسيا للمسؤولية وبناء أسرة على أسس قويمة.
  •   ·       أن تكون شهادة "اللائق نفسيا" رديفة أختها شهادة "اللائق طبيا" وشرطا لإتمام عقد القران في الجهات القضائية.



أدرك أننا بذلك لن نوقف الطلاق من الوجود، لكننا بالوعي قادرين على إغلاق بابه أكبر قدر ممكن.

وللحياة دروس ...



الثلاثاء، 15 نوفمبر 2016

إتيكيت الكاتب والمؤلف العظيم



عزيزي الكاتب،
هل ألفت كتابا جديدا؟ 

أهنئك من كل قلبي، وعسى أن يكون إصدارك ذا إضافة نوعية، أو يحمل بين طياته أدبا رفيعا، أو علما نافعا، أو على الأقل ذكرى طيبة لك تبقى بعد رحيلك.

مبارك لك ولكن؛ تذكر دوما أنك لست أول مؤلف في التاريخ، و اعلم أن من لم يقرأ كتابك لن يناله أذى في الدنيا، ولن يفوته أجر من أجور الآخرة، فلا تعطي لنفسك قدرا، ولا تمشي في الأرض مرحا، ولا تهول الأمر، فمجرد كونك كاتبا لا يعني أنك قد ملكت الوجود، أو صرت مستحقا لقطيع من المعجبين والمعجبات، أو نلت الشهرة والغنى الذين حلمت بهما دوما، أو تبوأت منزلا عليا في مدينة أفلاطون الفاضلة، في حي المؤلفين والكُتّاب تحديدا، أو سيكتب لك عمرا مديدا لتؤلف مئات الكتب الناجحة حتى تصل إلى سن الشيخوخة، وتموت مبتسما وأنت تتصفح ورقات الطبعة المليون لمؤلفك الأخير، والذي لا يتجاوز عمره الستة أشهر!

كل ذلك هراء، فـ "شكسبير" في زمانه لم يكن معروفا، بل كان الناس يعرفون الممثلين الذين يؤدون أدوار الشخصيات في أعماله على خشبة المسرح، وشهرته التي ذاعت كانت بعد أن مات. و"الإمام النووي" مات أربعينيا ولم يكمل سلسلة مجلدات المجموع في علم الفقه، تاركا حسرة في نفوس قرائه حتى اليوم، والروائي السوداني "محمد بهنس" قضى آخر عمره متشردا ومات متجمدا من شدة البرد في شوارع القاهرة. و"هاربر لي" نشرت رواياتها "اذهب أقم حارسا" بعد روايتها الشهيرة "لا تقتل عصفورا ساخرا" ورغم ذلك لم يرض كتابها الجديد كثيرا من قرائها بالرغم من أن الفرق بين الروايتين 55 عاما!
والأمثلة لا حصر لها...

ألفت كتابا، ماذا بعد؟ 

 تذكر دوما،

  • هناك من لا يهتم لما تكتب، وهناك من لا يعجبه كتابك، وهناك من يخالفك الرأي، فلا تعتقد أن هؤلاء كلهم يحسدونك لأنك في نظرك ناجح، ولست هنا أقلل من شأن الحسّاد، لكن ربما يكون الخلل فعلا فيك
  • ليس هنالك داع لأن تحرج الآخرين وترغمهم على اقتناء مؤلفاتك من خلال التوقيع على كتاب دون أن يطلبوا هم منك ذلك، ولا داعي لإزعاج الناس بكثرة إلحاحك للسؤال عن رأيهم فيما كتبت، استدرارا للمدح والإطراء، كن رزينا!
  • لا داعي لأن تتملكك فرحة عارمة حين ترى في وسائل التواصل الاجتماعي صورة لكتابك مع اقتباس منه، وبجانبهما باقة ورد أو " كب كيك" أو ربما قهوة، وتسارع في إعادة تدويرها وأنت منتفخ كالبالون، فالكثير من أدعياء القراءة لا هم لهم إلا تقليب الكتب سريعا بحثا عن عبارة يمكن تنسيقها ونشرها للتباهي بحب الثقافة والاطلاع، أو ربما كان من قام بذلك يعلم سلفا أنك ستعيد تدوير منشوره، وبالتالي يظفر بعدد من متابعيك إن كانوا بالمآت أو الآلاف. ولست هنا ضد فكرة إعادة التدوير، بل لتنويرك لتستعيد رشدك
  • عندما تؤلف كتابا، فإنه قد يبقى ذكرى لك لما بعد الرحيل، فاحرص على أن تطيبها، وأخلص قبل ذلك العمل لمن استخلفك في الأرض لتعمر فيها، ولتكون ما خطت أناملك من العلم الذي يُنتفع به، وقراءك من الولد الصالح الذي يدعو لك
عزيزي الكاتب، أرجو أن تكون كلماتي قد ضايقتك ولو قليلا، فإنها إن لم تفعل فلا نفع لها... 

عزيزي القارئ الذي لم يؤلف كتابا قط، وواصل قراءة المقال حتى وصل إلى هذا السطر:/
أحييك من كل قلبي، فشخصيا لا أحبذ قراءة المقالات التي لا تخصني، أو لربما كنت فضوليا، والفضول في قراءة ما أكتبه حصرا أمر حميد
على العموم، إن أعجبك المقال، فأرسله لكاتب تعرفه، لكن من دون " شماتة" لو سمحت.

لا تقل شيئا، كنت أمزح!

.
.
.

الجمعة، 11 نوفمبر 2016

البادجي الأصفر




          كالزهرة كانت في بريقها، في تلك الغرفة التي يطل شباكها على طريق المارة في ذلك الحي العتيق، أصوات الرعد المتعالية تمتزج بألحان الودق الذي بات يقرع الأرض في تلك الليلة، تراوحت الألحان بين الشدة واللين، كل ذلك أشعل في جوفها نارا لم يُجد في إطفائها كل ذلك الصخب الشتائي القارس، وكأن البرق اللامع على شباكها الموصد بإحكام، كل حين، يتسلل إلى جوفها ليتحول إلى حطب لذلك اللّهب! 
    
          قامت من فراشها مرعوبة بعدما اقتربت آثار الدخان الخانق من جوفها إلى فؤادها ليقرع ناقوس الخطر، قامت وقد كانت تتكئ قبل ذلك بظهرها على وسادتها، تضم ركبتيها إلى صدرها، لتحيط ساقيها بيديها، تنتفض لا من البرد؛ فقد كان صدرها كالمدفئة، إنما من الخوف. أتخاف من صوت المطر؟ أم أرعبها صوت الرعد؟ أم أضواء السماء التي تبرق فتختفي بعدما تدفقت آثارها من خلف أستار النافذة الأنيقة؟

          أخذت تترقب وتنظر من وراء النافذة إلى ذاك الطريق، لكن لا أحد غير أحد المارة يسرع في المشي رافعا مظلته التي أخفت هوية من تحتها. لا أصوات، غير أنغام الغيوم، ونباح كلاب ضالة أتت من بعيد، ربما كانت من الحي المجاور. وبعد أن تسلل إليها اليأس من عودته، عادت إلى فراشها، بعدما خمنت أن ساكن القفص الأبيض، طائر "البادجي" قد بات تلك الليلة في شجرة مع قرينته الجديدة، خمنت ذلك فقط لتستجمع النعاس المتبدد!
 لقد أعتقته سيدته _ذات الاثني عشر ربيعا_ صباحا بعد أن خلا القفص إلا منه، أطلقته لينعم بالحرية والأصدقاء، هكذا ظنّت.

          أشرقت الشمس بعدما طردت كل السحب لتتزعم السماء، وعلى عتبة باب المنزل، أخذت الفتاة تتفقد زهراتها بسكون قبل أن تجزع برؤية بقايا طائرها الأصفر، وقد التم حوله النمل ينقلون آثاره إلى وكرهم بشراهة! فشخصت تنظر إلى جثمانه المبلل فبللت وجنتيها، ثم التفتت إلى ذلك العجوز الذي اعتاد المرور أمام منزلهم كل صباح في طريقه مشيا، قال لها وكأنه فطن لخبرها: "يا صغيرتي، إنه لم يذق طعم الحرية يوما فقد ولد عاشقا للأسر، فعتقه إعدامه!".