الأحد، 26 أبريل 2020

القول الراجح على مذهب عمرو بن هشام




ومن ذا الذي ينكر عقلية هذا الرجل الفذة؟!
لقد كان أعجوبة زمانه، أصغر أعضاء مجلس الشورى القرشي سنا، بسبب ذكائه وكياسته،  ذاك المجلس المسمى بدار الندوة.
لقبه بين بني قومه " أبا الحكم " وذلك لرجاحة فكره، وعمق حكمته، ورزانة رأيه.
أعتقد أنني أكثرت فيه الإطراء، رغم أن تاريخ هذا الرجل مليء بالشر، ولكن لا يمنع هذا أن ننقل الحقيقة الموثقة، عن رجل كان يمكن أن ينال شرفا ما بعده شرف لو أنه لم يجدد مذهب الغواية البشرية المتجذر منذ فجر التاريخ، ليكون من أئمته.
ذاك المذهب الذي أساسه الهوى، وعموده إيذاء الأنبياء، ومعاداة الصالحين والصديقين، وقتل الأبرياء، ذاك المذهب القائم على لبنات الـ " الكبرياء ".
الصفة التي هي سبب كل خطيئة منذ إبليس الذي عاند الرب إلى الأبد؛ بسبب سجدة حفاظا على كبريائه، رفض الرجوع والتوبة، بل واصل بكل وقاحة وتبجح طالبا من الله أن يؤخر عقابه وحسب.
أما عمرو بن هشام فلم يغنه ذكاؤه بعد أن حفه بسياج من الكبرياء، وقرر أن الراجح في مذهبه العمى على الهدى، والهوى على الحق، والعناد حتى آخر رمق.
قال له الأخنس بن شريق يوم بدر: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد؛ أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟" 1
وقد سأله يوما ابن أخته مسور بن مخرمة عن حقيقة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ قال: "يا خالي، هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" فقال: "يا ابن أختي، والله! لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذبا قط". قال: "يا خال، فما لكم لا تتبعونه؟" قال: "يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي. فمتى ندرك مثل هذه؟!" 2
لم يكن يمنعه إذن غير " الكبرياء" فكان الراجح في مذهبه، ووقف ليجلب على الحق بكل الحيل الجهنمية، ترغيبا وترهيبا، وما أوتي من فصاحة لسان ورجاحة عقل ليؤثر في عموم الناس.
إن عبقرية كهذه لم تكن الأولى ولم تكن الأخيرة، ولذا كانت المعايير الإلهية صارمة في عدالتها بعد إذ منحت الأمانة لمن سألها، الأمانة التي ناطها بالإنسان، أمانة الهداية المختارة، وأمانة الخلافة الواعية في الأرض، وأمانة الإرادة عن قصد، وكل ذلك لا يتأتى بالكبرياء، مهما بلغ المرء من عبقرية أو ذكاء.
إن أتباع مذهب أبي جهل باقين ما بقي الزمان، وإنك لتراهم في زماننا وقد لبسوا عمامة "العلم التجريبي" بدلا من عمامة الحكمة والحصافة والفصاحة، فأدلجوا العلم ونظرياته في خدمة رفض الحقيقة الإلهية، لا لشيء إنما هو الكبرياء، ولكن بلون وطعم مختلفين.
وإنني لأنتهز هذه الفرصة للإحالة إلى كتابي "وهم الشيطان" للبروفيسور ديفيد بيرلنسكي، و "أوهام الإلحاد العلمي" للدكتور محمد باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية؛ لترى الأمثلة العملية في التزييف المجرد لنصرة الأهواء، وأدلجة العلم في سبيل الكبرياء.
وحتى تكتمل أي صورة، وفي خضم الفوضى المعلوماتية الخلاقة، لنقرأ ولكن بعينين، إحداهما فاحصة، والأخرى ناقدة، وإلا كنا كعموم من اغتر بعبقرية عمرو بن هشام، واتبع الراجح على مذهبه.


1)    ابن القيم: هداية الحيارى 
2)     المرجع السابق

الأربعاء، 22 أبريل 2020

إحالة الفرقان للمزامير


إن الإنسان الكيّس يقي نفسه موارد الشبهات، ويحتاط لنفسه من بواعث الخطر، ويزن مفرداته من أن تزل قدم بعد ثبوتها.
تلك هي المفسرات التي أجدها تحفظ كيان أوائل المفسرين لكتاب رب العالمين، والتي جعلتهم ينتقلون من التخصيص إلى التعميم في تفسير قوله تعالى:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) الأنبياء
وكلمة الزبور لغة تعني كل كتاب مكتوب في عمومها، أما في خصوصها فهي الكتاب الذي أنزله الله على نبيه داوود عليه السلام أو كما يعرف في أسفار العهد القديم بالمزامير.
ومع أن القرآن قد ذكر معنى الزبور في موضع آخر كقوله:
(وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) (55) الإسراء
فحين العودة إلى تفسير الطبري على سبيل المثال وهو من أقدم الكتب عناية بتفسير القرآن الكريم، نجد أنّ تحرّج أوائل المفسرين وخلافهم كان واضحا جدا في تأويل قوله تعالى: ( ولقد كتبنا في الزبور)، وقد أصرّوا على تفسيرها بالعموم ( أي جميع الكتب السماوية السابقة) وخشيتهم من البت في أن المقصود هو التخصيص أي زبور أو مزامير داوود حرفيا.
وذلك لسبب وجيه، وهو صعوبة الوصول للكتب السماوية السابقة في عصرهم، والنظر والتمحيص فيها، حيث كان العُرف السائد هو أن تبقى هذه الكتب محفوظة في أيدي الأحبار والرهبان، ناهيك أنها لم تترجم من لغاتها الأصلية وتكون متاحة للعامة إلا في عصور متأخرة جدا.
فلم يتسنّ للمفسرين الأوائل التأكد والجزم، واختاروا الاحتياط بتغليب المعنى العام على الخاص.
إلا أننا اليوم، بعد أن غدا كل شيء متوفرا، ويتأتى الوصول إليه بيسر على الأغلب، فنستطيع البت أن مقصود القرآن الكريم هو في الإحالة إلى زبور داوود حرفيا.
فبالعودة إلى المزامير، الإصحاح 37 نجد النص يستفتح ( بالذكر):
(3 . اتكل على الرب وافعل الخير، اسكن الارض وارع الامانة4 وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك5 سلم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري6 ويخرج مثل النور برك وحقك مثل الظهيرة7 انتظر الرب واصبر له ولا تغر من الذي ينجح في طريقه من الرجل المجري مكايد8 كف عن الغضب واترك السخط ولا تغر لفعل الشر)
ثم يبشر في ذات الإصحاح بأن ( الأرض يرثها عبادي الصالحون) فيما نصه:
(لان عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض)
( اما الودعاء فيرثون الارض ويتلذذون في كثرة السلامة )
( لان المباركين منه يرثون الارض والملعونين منه يقطعون )
( الصديقون يرثون الارض ويسكنونها الى الابد.)

حقيقةً، لقد تملكتني القشعريرة وأنا أقرأ الإصحاح المشار إليه لأول مرة، وراودتني بعض الخواطر ألخصها في ثلاث نقاط:
-         عجز المفسرين الأوائل عن الاجماع والبت في آية تحيل حرفيا إلى سفر معين من أسفار الكتب السماوية السابقة، دليل على أن ما في هذه الكتب لم يكن شائعا البتة بل لم يكن متاحا الوصول إليه، لترجيح المسألة بقرينة واضحة. فالذي أنبأها محمد صلى الله عليه وسلم في مكة التي يحفها الوثنيين، هو بلا شك من أنبأها داوود أول مرة، جل وعلا.
-         رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، فعندما لم يجد المفسرين الأوائل بُدا لتفسير الزبور على عمومها، واختاروا الاحتياط، دل ذلك على عظيم خشيتهم لله عز وجل، من الإغراق فيما يجهلون. على عكس بعض الذين يخوضون في آيات الله اليوم عن جرأة ووقاحة، ليلوون أعناقها عن جهالة لموافقة فرضيات أو نظريات علمية قد يأتي الزمان بما ينقضها، أو تأويلات توافق الهوى وتقف اللغة أمامها بفم فاغر من هول الدهشة وهي ترى قواعدها تنتهك على أيديهم.
-         أقوال المفسرين مهما بلغوا من مكانة علمية يمكن أن يستأنس بها، ولكن لا يتعبد بها، فالأصل لدينا الوحيين لا سواهما، ويمكن لمن ملك القواعد الصحيحة إعادة تأويل كلام الله وتفسير كتابه بما يتوافق مع الحقائق الثابتة وقواعد اللغة، فهو وحي معجز إلى قيام الساعة، وكلما جد عصر تتكشف لنا فيه بعض الخفايا من لطائف البيان وسحر الهداية لتكون لنا نورا وضياء.

وتبقى أرض الله إرثا لعباده الصالحين..


الثلاثاء، 14 أبريل 2020

لطائف الأوقات العصيبة





الأوقات العصيبة ما هي إلا أحاديث المستقبل، يمر عليها القُراء والمُنصتون ليأخذوا منها عبرة، أو خطرة، أو طرفة.
ومهما سرح المرء في خياله، لا يمكنه أن يعيش حدثاً كأبطال الأحاديث أنفسهم.
حتى أولئك الأقوام الذين طغوا وتجبروا في سالف الأزمان، كعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون وغيرهم ممن غرّهم حلم الرب، واستكبروا في الأرض بغير الحق حتى صارت أوقاتهم العصيبة قصصاً تُحكى (فجعلناهم أحاديث).

لنا فيها المواعظ رغم أنّ خيالنا لا يمكنه تصور حقيقة ما جرى من شدة هوله!
ولنا فيها انشراحاً في الصدر، لانتصار الرب لأنبيائه وأوليائه.

وحين نتمعن في محنة الرسول ﷺ وأنصاره عندما حاصرتهم قريش في شعب بني هاشم، أن يسلِّموا رسول الله ﷺ للقتلِ أو ينالوا العناءَ في محق المقاطعة إلى حد الهلاك جوعاً، حتى أنهم لأكلوا ورق الشجر.

يستذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه موقفاً طريفاً في عز الأزمة، حيث خرج ليتبول ليلاً، وفي أثناء قضائه الحاجة سمع بقعقعة تحته، فتحسسها، فإذا هي قطعة من جلد، فالتقطها، وغسلها، فصنع منها حساءً عدّه فاخرا، تقوّى به لثلاثة أيام.
ومن قلب هذه الأزمة، ولد عبدالله بن العباس ترجمان القرآن، والفقيه المحنك، الذي تزخر أمهات الكتب بقبس من حكمته.
ولك أن تتخيل بسمة سعدٍ وهو يروي للتابعين صنيعه، ولك أن تتبسم حينما تدرك أنه قد أبصر النور في زمن عصيب من أبصرنا النور، لست أقصد ابن عباس على جلال قدره، بل ذاك المولود في عام الفيل ﷺ

وهكذا توالت قصص الأوقات العصيبة عبر الأزمنة وما يحفّها من لطائف، كالحب في زمن الكوليرا على سبيل المثال.
إنّ أوقاتنا العصيبة في سنة الكورونا، يمكن أنْ تنقلب في شيء من جوانبها إلى لطيفة أو لطائف، لتكتمل الحكاية بشيء مما تنشرح به الصدور.
فهذان تزوجا في سنة الكورونا، وهذا ألف كتاباً، وهذه حصلت على شهادة عليا، وذاك حفظ المصحف، إلى ما لا حصر له.
إنّ الأيام العصيبة، يمكن أن يتخللها تخطيط، وهمة، وعزم، تجعل من رتابتها أملاً يكتمل به سيناريو النجاح.
ذاك الذي ستحكيه بعد سنين لأجيال لم تشهده، كأحفادك، أو عبر لقاء مصور بعد عقود، أو حينما تحتسي قهوتك على مقعد من الدرجة السياحية بجوار شاب فضولي، يريد أن يقتل بعض الوقت في الحديث معك في رحلة جوية طويلة إلى حدٍ ما..

فكر كيف يمكنك أن تجعل الحديث أكثر تشويقاً، لا تتردد، لا تتلكأ، اصنع الحدث الآن.


الاثنين، 13 أبريل 2020

غيبيّات العلم المنثور





أخال اليوم أننا نعيش في زمن يعشعش فيه الجهل المركب بكل شفافية ووضوح، ويتسابق فيه الناس لإظهار شغفهم بالمعلومة، وأي معلومة، وكأن المعلومة " المنقولة " نص مقدس لا يقبل الجدل، أو التشكيك.

في ظل هذه الثورة التقنية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد، وأدت إلى تكدس الفوضى المعلوماتية، شيء أشبه ما يكون بالانفجار الكامبري الذي كان ولا يزال يدهش كل البيولوجيين من علماء نظرية التطور وفي مقابلهم علماء نظرية التصميم الذكي، ليقدم كل طرف منهما مبرراته وتفسيراته، والتي تؤول في نهايتها إلى الإيمان بالغيبيات، سواء قصد أصحابها ذلك أو لم يقصدوه.

فإن كانت غيبيات أقطاب ذكاء التصميم تنتهي إلى الخالق العليم، فإن أقطاب التطور سواء كان الملاحدة منهم أم أنصار التطور الموجه؛ كلٌ لم يشهدوا تطور الكائنات من أصل مشترك خلال ملايين السنين، أي ما يعني أن منتهى الأمر ضرباً من الإيمان الغيبي المقبول عندهم.

وإن كان شأن الأوساط العلمية هكذا، فيبدو إن الإيمان بالغيبيات جزء من تكوين الإنسان حقيقة، ليؤدي دوره المناط بحمل الأمانة بعبادة الله وإعمار الأرض، فهو قادر على تصديق كل معلومة غيبية المصدر تطيش هنا أو هناك، من معرفات وهمية، ومن دون تثبت أو إثبات أو إثبات الإثبات نفسه، فكم من شخصية مدعية، تنشر الغث والسمين، دونما اختصاص أو موضوعية في النقل أو الطرح.

حاورت أحد المتشككين في الدين مرة، وكان معترضا على موضوع أنَّ شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المعاملات المالية. يقولها بكل تبجح وغرور، على الرغم من أنني فسرت ذلك نتيجة الظروف التي تمر بها المرأة كالدورة الشهرية والحمل والولادة والتي ثبت علميا تأثيرها على ذاكرتها غالبا، وتحتاج إلى من يذكرها. بينما تكون شهادتها فيما لا يتطلب استحضارا دقيقا للذاكرة كشهادة الرجل تماما.
فالمحدد الشرعي هنا أتى ليخفف عن كاهلها ما لا تطيق، في الفترات التي تكون فيها ليست على خير ما يرام.

وعلى الرغم من إيمان هذا الصديق العميق بأن نظرية التطور تعد بالنسبة له بديلا عن الإله، لكن ربما فاته ما يراه بعض علماء التطور أنفسهم في المرأة من الناحية البيولوجية، فهذا تشارلز داروين مؤسس النظرية، يقول:
(يبلغ الرجل مرتبة مرتفعة بكل ما يتناوله أكثر مما يمكن للمرأة سواء تطلب ذلك تفكير عميق أو عقل أو خيال أو مجرد استخدام الحواس واليدين فإذا كان الرجال مؤهلين للتفوق الواضح على النساء بالعديد من المواضيع فإن القوة العقلية للرجل يجب أن يكون أعلى من المرأة) 1.
حيث يكتفي بتأكيده على تفوق الرجل على المرأة، إلا أن الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون شطح لأبعد الحدود في رسم ملامح المرأة العقلية في كتابه الاختلافات في حجم الدماغ وعلاقته بالذكاء، ما نصه:
(النساء أدمغتهن أقرب للغوريلا من أدمغة الذكور الأكثر تطورا وهذا النقص واضح ولا خلاف عليه, يدرك جميع العلماء الدارسين لذكاء النساء أنهن أدنى أشكال التطور وأقرب للأطفال والهمج وأكثر تقلب وغياب للمنطق والعقل, هناك نساء متميزات لكنهن استثناء كغوريلا برأسين) 2.

إن الكثير من النظريات العلمية التي نالت حظوة وزخما علميا يوما ما، تبين زيفها بنظريات أخرى دحضت حججها الواحدة تلو الأخرى، لتصير إلى السفود، ثم إلى رماد تحمله الرياح.

ليست المشكلة في ثورة المعلومات المتناثرة، أكثر من الجهل المركب للمتلقين بأن لا دخل للمعلومة للأهواء أكثر من الإثبات.

___________________________
1)     أصل الإنسان، طبعة 1889، ص 564
2)     الاختلافات في حجم الدماغ وعلاقته بالذكاء طبعة 1879 المجلد الثاني ص45 و 46.