جينة العناد من أجل البقاء
في نقاش لطيف بيني وبين زميل عمل مغرم بعلم أنماط الشخصيات الـ16، كان مصرا
على أن شخصيتي منحصرة في نوع يفضّل الكتابة والخيال، فأخبرته أنني غير مقتنع
بتصوره، وأنا على اقتناع تام أن هذه الاختبارات على الرغم من قوتها، خاضعة للخطأ
ونسبة الصواب فيها تحتمل الـ70%. فكان مصرا على أنّ هذا الاختبار دقيق جدا وأنه
" علم " وما أدراكم أنتم أيها الجاهلون! فنمط شخصيتي هو الذي يجعلني
أرفض الفكرة.
فجالدني وجادلته بأنني أعرف الاختبار هذا منذ أكثر من عشر سنين، وأجريته
عدة مرات ولعدة سنوات متفرقة، ولاحظت أنّ شخصيتي وطبائعي تتغير طبقا للتطبع
والتطوير والخبرة وعبر عوامل العلم والتجربة. فظل مصرا على رأيه، ناظرا إليّ بشزر
بأنني أقلل من شأن العلوم، ثم فكر وقدّر، وقرر من تلقاء نفسه أنني قد أكون أعاني من
التكيف على أنماط شخصيات أخرى رغما عن طبيعتي.
لم أعر ما قاله اهتماما، وابتسمت له مازحا بأنك تشبه إلى حد كبير أولئك
الذين يحددون نمط الشخصية بناء على " الأبراج" فانفعل وقال منتشيا بأن
نمط شخصيتي هو الذي يجعلني أؤمن بالأبراج وتصديقها، على الرغم من أنّ من يعرفني
جيدا يدرك ازدرائي الدائم بـعلم ما يسمى "لأبراج" ولكن ما سبيلي على من
يجادلني من أجل البقاء.
وعلى صعيد علميّ آخر، يأتيك المؤمنون بـدين " التطور" أو " النظرية الهشة " كما يحب تسميها العالم
المعاصر ديفيد بير لنسكي وهو " لا أدري" إن كنت لا تدري. إنّك بمجرد
النقاش مع حضراتهم من أول لحظة _ ولو على سبيل البحث عن الحقيقة_ يتسلل إليك شعور
بأن الحوار ديني أكثر من كونه علميّا بحتا. أعني بأن الدارويني يفترض بأنّ "تدينك"
يحتم عليك رفض النظرية وعند البدء بتفنيد حُججها الواحدة تلو الأخرى، تجده يقاوم
كل ذلك بعنصر "الإيمان الصادق الذي لا يتخلله شك في النظرية" وليردد علي
أوراد الدحض بأن الدلائل عليها كثيرة جدا. على الرغم من أن جلها يصب في صالح
التطور الصغروي لا الكبروي؛ وهو تحول الكائنات من أسماك إلى زواحف إلى طيور إلى
ثديات وعودة بعض الثديات إلى البحر وتحولها إلى حيتان ودلافين عبر طفرات عشوائية
وانتخاب طبيعي خلال ملايين السنين. لتبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابات، ويستمر الجدال
من أجل البقاء.
وعلى ذكر الدين، أذكر أنني صلّيت المغرب في أحد المساجد، وقد التحقت بجماعة
متأخرة، فلم أجد مكانا أصلي فيه بينهم إلا بجوار الإمام. وفور إتمامي صلاتي، فوجئت
بشاب عشريني يعظني مستنكرا مروري أمام المصلين، فأخبرته أنني درست في فتوّتي قبل
قرابة عشرين سنة المذهب المالكي، وعرفت منذ ذلك الحين أنّ السترة تكون للإمام دون
المأمومين، فنظر إلى بغضب وقال بانفعال بأن معلومتك خطأ واسأل أي شيخ. فابتسمت له
قائلا "شكرا جزلا" وخرجت فأنا لا أحب الجدل في مسائل خلافية، هكذا ظننت،
إلى أن ساقني الفضول لأجد بأن السترة تكون للإمام تعد محل إجماع بين المذاهب نقله
غير واحد من أهل العلم وليست مسألة خلافية أصلا.
في كثير من الأحيان أشعر أن العناد المرتبط بالجهل يكون حتما في جينات
المرء، ما عشعش فيه الجهل، وانطمست عنده رغبة العلم المجرد، ليظل العناد من أجل
البقاء أصلا مرتكزا من أصول الجنس البشري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق