الأحد، 6 سبتمبر 2020

العابرون في دروبنا

 


سنوات مضت، ربما عقد أو نصفه، يزيد أو ينقص، لا يهم، عرفت "خالد" الفتى الهمام، أصغر مني بثلاث، طلابا كنا، ندرس تخصصات مختلفة..

كنت وإياه وشباب آخرون نتنافس لا شعوريا على الألق، رغبة عارمة تجتاحنا، وولع شديد الهلع يسري في عروقنا بالبحث عن المعرفة، والتعمق في شيء، ومعرفة شيء وأشياء كثيرة عن كل شيء، بالقراءة العميقة تارة، وتارة أخرى بالندوات، والمحاضرات، والدورات المكثفة التي لا نود أن تتوقف.

لم نكن على وفاق دائم، بل أغلب لقاءاتنا كانت سجالا محمودا، ونقاشات لا يلم شعثها إلا الاحترام الذي يحفظ الوشائج. ولا أخفي أنني كنت في كثير من الأحيان أتظاهر بجهلي ببعض المسائل والمعارف حتى أستمع وأحلل آراء الأقران بخبث، لكنني لا أبرح حتى يكتشف أمري فأدلي بدلوي وأطرح رأيي بلا تحفظ ولا تردد.

إنني أفتقد نفسي كثيرا لبعدي عن أجواء المعارف وروادها مؤخرا، ولكنني أفضل ذاتي الآن أكثر، لأنني لن أجد من يقبلني كما أنا، وأعتقد أنه يندر أن يجد المرء من يحسن الاستماع إليه كما يتقن الثرثرة عليه. وحتى إن وُجد، فلن تجد من يتسع صدره للخلاف بود كما خالد، وأمثال خالد.

في يوم ما، كنت وإياه في طريقنا إلى أحد معارض الكتب، وكنا نستمع إلى أنشودة تترنم بــ "رفيق الدرب" على إحدى الإذاعات المحلية، ولا أتذكر من كان منا يقود السيارة حينها، أنا أم هو، لكنني أتذكر جيدا أنني قلت له بأن هذه الأنشودة هدية مني إليك، فأجابني بأنه لا يعدني من رفاق دربه، لقد قالها بعفويته الأخاذة، ومشاكسة منه معتادة، فقلت له بأننا الآن رفاق الطريق إلى تلك الوجهة على الأقل، أليس كذلك؟ فقال: إن كان كذلك فلا بأس.

كبرنا قليلا، وأنهى كل منا دراسته، تفرقنا، وصار لكل منا حياته الخاصة، بعيدا عن الآخر لسنوات، سنوات لم نر فيها بعضنا أبدا. لقد صدق خالد حين لم يعتبرني رفيق دربه، فالصدق وإن كان مؤلما لهو أنجع من الكذب المريح.

الكذب الذي يفتك بالقلب حين يشرع أبوابه للأقران الذين ينهشون منه كل لحظة بجفائهم، واستعلائهم، وغرورهم دونما كدر.

التقيت بخالد مؤخرا في لقاء عابر، أهدى كل واحد منا للآخر كتابا، ثم تفرقنا، وله ولغيره من العابرين في قلبي كل حب صاف.