الأربعاء، 22 أبريل 2020

إحالة الفرقان للمزامير


إن الإنسان الكيّس يقي نفسه موارد الشبهات، ويحتاط لنفسه من بواعث الخطر، ويزن مفرداته من أن تزل قدم بعد ثبوتها.
تلك هي المفسرات التي أجدها تحفظ كيان أوائل المفسرين لكتاب رب العالمين، والتي جعلتهم ينتقلون من التخصيص إلى التعميم في تفسير قوله تعالى:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) الأنبياء
وكلمة الزبور لغة تعني كل كتاب مكتوب في عمومها، أما في خصوصها فهي الكتاب الذي أنزله الله على نبيه داوود عليه السلام أو كما يعرف في أسفار العهد القديم بالمزامير.
ومع أن القرآن قد ذكر معنى الزبور في موضع آخر كقوله:
(وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) (55) الإسراء
فحين العودة إلى تفسير الطبري على سبيل المثال وهو من أقدم الكتب عناية بتفسير القرآن الكريم، نجد أنّ تحرّج أوائل المفسرين وخلافهم كان واضحا جدا في تأويل قوله تعالى: ( ولقد كتبنا في الزبور)، وقد أصرّوا على تفسيرها بالعموم ( أي جميع الكتب السماوية السابقة) وخشيتهم من البت في أن المقصود هو التخصيص أي زبور أو مزامير داوود حرفيا.
وذلك لسبب وجيه، وهو صعوبة الوصول للكتب السماوية السابقة في عصرهم، والنظر والتمحيص فيها، حيث كان العُرف السائد هو أن تبقى هذه الكتب محفوظة في أيدي الأحبار والرهبان، ناهيك أنها لم تترجم من لغاتها الأصلية وتكون متاحة للعامة إلا في عصور متأخرة جدا.
فلم يتسنّ للمفسرين الأوائل التأكد والجزم، واختاروا الاحتياط بتغليب المعنى العام على الخاص.
إلا أننا اليوم، بعد أن غدا كل شيء متوفرا، ويتأتى الوصول إليه بيسر على الأغلب، فنستطيع البت أن مقصود القرآن الكريم هو في الإحالة إلى زبور داوود حرفيا.
فبالعودة إلى المزامير، الإصحاح 37 نجد النص يستفتح ( بالذكر):
(3 . اتكل على الرب وافعل الخير، اسكن الارض وارع الامانة4 وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك5 سلم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري6 ويخرج مثل النور برك وحقك مثل الظهيرة7 انتظر الرب واصبر له ولا تغر من الذي ينجح في طريقه من الرجل المجري مكايد8 كف عن الغضب واترك السخط ولا تغر لفعل الشر)
ثم يبشر في ذات الإصحاح بأن ( الأرض يرثها عبادي الصالحون) فيما نصه:
(لان عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض)
( اما الودعاء فيرثون الارض ويتلذذون في كثرة السلامة )
( لان المباركين منه يرثون الارض والملعونين منه يقطعون )
( الصديقون يرثون الارض ويسكنونها الى الابد.)

حقيقةً، لقد تملكتني القشعريرة وأنا أقرأ الإصحاح المشار إليه لأول مرة، وراودتني بعض الخواطر ألخصها في ثلاث نقاط:
-         عجز المفسرين الأوائل عن الاجماع والبت في آية تحيل حرفيا إلى سفر معين من أسفار الكتب السماوية السابقة، دليل على أن ما في هذه الكتب لم يكن شائعا البتة بل لم يكن متاحا الوصول إليه، لترجيح المسألة بقرينة واضحة. فالذي أنبأها محمد صلى الله عليه وسلم في مكة التي يحفها الوثنيين، هو بلا شك من أنبأها داوود أول مرة، جل وعلا.
-         رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، فعندما لم يجد المفسرين الأوائل بُدا لتفسير الزبور على عمومها، واختاروا الاحتياط، دل ذلك على عظيم خشيتهم لله عز وجل، من الإغراق فيما يجهلون. على عكس بعض الذين يخوضون في آيات الله اليوم عن جرأة ووقاحة، ليلوون أعناقها عن جهالة لموافقة فرضيات أو نظريات علمية قد يأتي الزمان بما ينقضها، أو تأويلات توافق الهوى وتقف اللغة أمامها بفم فاغر من هول الدهشة وهي ترى قواعدها تنتهك على أيديهم.
-         أقوال المفسرين مهما بلغوا من مكانة علمية يمكن أن يستأنس بها، ولكن لا يتعبد بها، فالأصل لدينا الوحيين لا سواهما، ويمكن لمن ملك القواعد الصحيحة إعادة تأويل كلام الله وتفسير كتابه بما يتوافق مع الحقائق الثابتة وقواعد اللغة، فهو وحي معجز إلى قيام الساعة، وكلما جد عصر تتكشف لنا فيه بعض الخفايا من لطائف البيان وسحر الهداية لتكون لنا نورا وضياء.

وتبقى أرض الله إرثا لعباده الصالحين..


هناك تعليق واحد:

  1. جزاك الله خيراً. أبدعت في الوصف. شجعتني في قراءة الزبور.لا أدري لماذا علمائنا ينهون عن قراءة الكتب السابقة. ربما ينفع هذا النهي مع البسطاء. مجرد النهي في شيىء غير محرم هو إثارة فضول.

    ردحذف