الجمعة، 11 نوفمبر 2016

البادجي الأصفر




          كالزهرة كانت في بريقها، في تلك الغرفة التي يطل شباكها على طريق المارة في ذلك الحي العتيق، أصوات الرعد المتعالية تمتزج بألحان الودق الذي بات يقرع الأرض في تلك الليلة، تراوحت الألحان بين الشدة واللين، كل ذلك أشعل في جوفها نارا لم يُجد في إطفائها كل ذلك الصخب الشتائي القارس، وكأن البرق اللامع على شباكها الموصد بإحكام، كل حين، يتسلل إلى جوفها ليتحول إلى حطب لذلك اللّهب! 
    
          قامت من فراشها مرعوبة بعدما اقتربت آثار الدخان الخانق من جوفها إلى فؤادها ليقرع ناقوس الخطر، قامت وقد كانت تتكئ قبل ذلك بظهرها على وسادتها، تضم ركبتيها إلى صدرها، لتحيط ساقيها بيديها، تنتفض لا من البرد؛ فقد كان صدرها كالمدفئة، إنما من الخوف. أتخاف من صوت المطر؟ أم أرعبها صوت الرعد؟ أم أضواء السماء التي تبرق فتختفي بعدما تدفقت آثارها من خلف أستار النافذة الأنيقة؟

          أخذت تترقب وتنظر من وراء النافذة إلى ذاك الطريق، لكن لا أحد غير أحد المارة يسرع في المشي رافعا مظلته التي أخفت هوية من تحتها. لا أصوات، غير أنغام الغيوم، ونباح كلاب ضالة أتت من بعيد، ربما كانت من الحي المجاور. وبعد أن تسلل إليها اليأس من عودته، عادت إلى فراشها، بعدما خمنت أن ساكن القفص الأبيض، طائر "البادجي" قد بات تلك الليلة في شجرة مع قرينته الجديدة، خمنت ذلك فقط لتستجمع النعاس المتبدد!
 لقد أعتقته سيدته _ذات الاثني عشر ربيعا_ صباحا بعد أن خلا القفص إلا منه، أطلقته لينعم بالحرية والأصدقاء، هكذا ظنّت.

          أشرقت الشمس بعدما طردت كل السحب لتتزعم السماء، وعلى عتبة باب المنزل، أخذت الفتاة تتفقد زهراتها بسكون قبل أن تجزع برؤية بقايا طائرها الأصفر، وقد التم حوله النمل ينقلون آثاره إلى وكرهم بشراهة! فشخصت تنظر إلى جثمانه المبلل فبللت وجنتيها، ثم التفتت إلى ذلك العجوز الذي اعتاد المرور أمام منزلهم كل صباح في طريقه مشيا، قال لها وكأنه فطن لخبرها: "يا صغيرتي، إنه لم يذق طعم الحرية يوما فقد ولد عاشقا للأسر، فعتقه إعدامه!". 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق