قبل أكثر من عشر سنوات، كدت أطير من الفرح بعدما
أخذ الشرطي يحرر لي ورقة النجاح في فحص رخصة قيادة السيارة العملي، ففي ذلك العام،
تم إنشاء مدرسة الإمارات لتعليم قيادة السيارات، وتقرر أن على مقدم طلب رخصة
قيادة السيارة أن يحضر الدورات النظرية، وينجح فيها، قبل أن يباشر التدريب العملي.
ولحداثة سني في ذلك الوقت، لم أدرك جدوى
الدراسة النظرية، وكنت أردد ما كان على لسان أقراني من أن تلك الدروس "عديمة النفع" و "نحن شباب، والقيادة مهارة تجري في عروقنا" وغيرها من السخف.
إلا أن الحق يحق، والزمن كفيل بأن يبصر
المرء ما لم يكن يدرك كنهه، ومن هنا أعلنها أنني صرت أدين بسلامتي المرورية لتلك
الدورة النظرية القصيرة، والتي كانت عونا لي بعد حفظ الله عز وجل، في النجاة من
مآزق لم أحسب لها حسابا.
ولا أشك أنها كما أنقذتني، فإنها أنقذت غيري
من خطر محدق، وإن كانت لن تقضي على الحوادث كليا، فهذا محال، إلا أن فضلها كان في غرس
الوعي لدى جمع كبير من السائقين.
من دروس الحياة، أننا نكبر لندرك الغاية
من تعلم بعض الأشياء من تلاميذها الكبار، ولكننا نستعجل الحكم على الأشياء قبل
الإمعان والنظر، فترد علينا الحياة بجواب الخضر لموسى عليهما السلام: "إنك لن
تستطيع معي صبرا".
ومثل رخصة قيادة السيارات، جاء الإلزام بشهادة
اللياقة الطبية للمقدميْن على الزواج شرطا لإتمام إجراءات عقد القران، وذلك حفاظا على
صحة ذريتهما من الأمراض الوراثية.
وإذا كان الإلزام جاء للحفاظ على الإنسان، فالحفاظ
على الكيان الذي يأتي بالإنسان لا يقل أهمية.
فلا يخفى على أحد أرقام إحصاءات الطلاق
الكارثية، ومعاناة كثير من الشباب والشابات المتزوجين حديثا لتذويب الثلوج في
العلاقة مع الشريك، وفهم بعضهما، وزرع بذور المودة والرحمة بينهما.
وحين نبحث عن سبب الأسباب، وجرثومة المرض، وجذر
المشكلة الرئيس، نجده يتمحور حول كلمة واحدة، ألا وهي "الوعي".
ولأننا نعلم أن المقبلين على الزواج غالبا
ينطلقون من مشاعرهم، والكثير منهم لا يقرأ، ولن يقرأ، ولن يهتم بحضور الدورات التثقيفية،
فيصير الطلاق هو أول ما يفكرون به عند كل صدع صغير يضرب عش الزوجية.
ومن هنا أدعو الجهات المختصة إلى ما يلي:
- تعميم دورة نظرية نظامية إلزامية يطرحها المتخصصون لكلا الجنسين، هدفها توعية المقبلين على الزواج بما لهم وما عليهم، وتفقّههم بسبل التفاهم والعلاقة السليمة فيما بينهم والمبنية على الحوار، وتنير عقولهم بكل ما يزيد الألفة والمودة، وتزودهم بأرقام الخط الساخن لفريق الإصلاح الاجتماعي، في حال واجهتهم بعض المنغصات المزعجة مع شريك الحياة مستقبلا؛ للحصول على النصح والمقترحات المعالجة بشكل يراعي السرية والخصوصية.
- أن تمنح شهادة "اللائق نفسيا" بعد اجتياز الاختبار للتأكد من وعي المقبل على الزواج، وتأهله نفسيا للمسؤولية وبناء أسرة على أسس قويمة.
- · أن تكون شهادة "اللائق نفسيا" رديفة أختها شهادة "اللائق طبيا" وشرطا لإتمام عقد القران في الجهات القضائية.
أدرك أننا بذلك لن نوقف الطلاق من الوجود،
لكننا بالوعي قادرين على إغلاق بابه أكبر قدر ممكن.
وللحياة دروس ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق