الاثنين، 20 أكتوبر 2014

خرافات في دهاليز الأدمغة



          إننا كبشر نعشق الخرافة، لا تتعجل في الحكم والإنكار قبل أن تهبط بعينيك لتتفحص بقية كلماتي في السطور الآتية، واصل التحديق فيما أكتبه لك، عندها ستعي ما أعنيه، ولربما وافقتني! من يدري؟!

          كلنا يعرف معنى الخرافة، فهي عكس الحقيقة تماما لأنها مبنية على الخيال المحض، وتناقض العقل وبراهينه والمنطق ونظرياته والواقع ومسلماته، لأن بعض الخيال يمكن أن يحدث في الواقع أما الخرافة فحتما لا. عندما كنا صغارا كنا نعشق الخيال الجامح، عقولنا مستعدة لقبول أن هناك حيوانات يمكنها الحديث، أو أن هنالك فرسا مجنحا، أو مصاص دماء، أو مخلوقات عجيبة كالسنافر وأشباهها. كبرنا وأدركنا بعد ذلك أن كل ذلك هو مجرد خرافة! إلا أننا نظل متعلقين بها لأنها ترتبط بأزمنة جميلة من حياتنا. بعض الناس قد تتسبب له خرافة مزعجة ارتسمت في عقله أثناء طفولته المبكرة عن وحوش مرعبة، أو أرواح شريرة مثلا، فكانت سببا لأمراض نفسية قد لا يزال يعاني منها طيلة حياته، على الرغم من أنها بنيت على خرافة، كالخوف من الأماكن المظلمة، والخوف من الوحدة، وغيرها. أرأيت كم نحن مخلوقات تعشق الخرافة؟!

إذا كنت تتفق مع ذلك فيمكنك القفز إلى الفقرة الأخيرة حتى لا ترهق نفسك معي، إنني فعلا سعيد بكونك من قراء مقالي، أنت من النوع المفضل عندي! أما في حالة رفضك كل ما كتبته لك حتى الآن، فسأطلب منك _فضلا لا أمرا_ أن تواصل التحديق معي قليلا حتى نهاية هذه الفقرة على الأقل. أنت لا تزال تكابر رغم ما سقته لك من براهين؛ ربما العتب علي، فمن غير المعقول أن يكون جميع البشر قد عاشوا طفولة سعيدة. إنك تتطلع للوصول إلى القمة يوما، أليس كذلك؟! أوافقك، فالقمة شيء جميل، وفي القمة تتحقق الغاية، أما الانحدار إلى القاع فهو الجحيم بعينه، إنها مكان اللا طموح كما وصفها الشاعر في قوله: (ومن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر). فأنت شخص متعلم، وبالعلم محوت كل الخرافات من رأسك ومحقتها فلم تترك لها أثرا. أهنئك، لكنك فعليا تنحدر إلى القاع، نعم، تنحدر لتصل إلى المبتغى، وهو غايتي من هذا المقال، لأنك لو بقيت في القمة لظلت خرافة أن الغاية تكون في القمة معشعشة في دماغك، فكل الكتب والمقالات والسطور التي أزالت أثر كل خرافة سكنت رأسك يوما كنت تهبط بعينيك فيها من قمة الصفحة إلى قاعها لتصل إلى الغاية وهي الفائدة المرجوة أو المتعة. إنك تشرب الماء كل يوم فينحدر من قمة جهازك الهضمي إلى قاعه حتى تحقق الغاية، وهي القضاء على العطش والبقاء على قيد الحياة. قد تقهقه ساخرا بقولك: (ومن قال لك أنني كنت أؤمن أن الغاية دوما تكون في القمة!). أقول لك أحسنت، فكل قاعدة يمكن أن يتخللها نقص ينقضها ويجعل منها خرافة، حتى المثل العليا: كالعدل، والحرية، وحقوق الإنسان وكرامته، والمساواة وغيرها، هي ليست قيم مطلقة، وتحققها في عالم البشر محض خرافة، لأن البشر لا يزالون مختلفين في فهمهم لهذه المعاني، وعلى سبيل التندر أذكر أن دولة تقع خلف المحيط الأطلسي خاضت حربا على دولة في الشرق الأوسط، فدمرتها تدميرا، بحجة امتلاك تلك الدولة المنكوبة لأسلحة دمار شامل، تبين بعدها أنها كانت خرافة! مئات الألوف من البشر قد قتلوا وشردوا وعذبوا، حماية للبشر من أسلحة الدمار الشامل، وتحقيقا للعدالة والحرية والكرامة والمساواة، يا لها من مفارقة مضحكة! إلا أننا ومع ذلك، نظل نعشق القيمة المطلقة لكل تلك المثل العليا، مع علمنا أنها مجرد خرافة، وأن القادر الوحيد على تحقيقها هو الله عز وجل، الملك الذي لا يظلم عنده أحد، فحتى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، قال يوما وهو الذي يحكم بين الناس، وهو الذي ينزل عليه الوحي: (إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليحملها أو يذره) متفق عليه.  إننا كبشر، ونحن نرى واقعنا المرير، نظل نعشق الخرافات حتى مع إيماننا بكونها خرافات؛ كالعيش في عالم من غير ملوثات، أو الخلود في الدنيا مئات السنين، أو حتى البحث عن سكن في مدينة أفلاطون الفاضلة!


إن الخيال الذي حبانا الله إياه، هي هبة عظيمة لك أن تتصور منتهاها، وكوننا مخلوقات بطبيعتها تعشق الخرافات، ليس ثمة عيب يضيرنا، بل هي إحدى الركائز التي نعتمد عليها في استيلاد الأمل، ليكبح جماح اليأس في أحلك الظروف، ونظل متفائلين دوما، لأن الذين يسيطر عليهم اليأس، تسيطر عليهم التعاسة، وتقتله الكآبة أو يقتل نفسه منتحرا. لكن ومع كل ذلك، لا تتحمس فتعتقد أن كل خرافة هي مصدر سعادة لك، فحتى هذه محض خرافة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق