السبت، 8 يونيو 2013

ابنة الشيطان

           
                                                   -أدب الصغار-
 اسمي شادي، وقد كان عمري عندما أبصرت الحقيقة اثني عشر عاما، وأعيش مع أمي وأبي وشقيقي الأصغر جبير الذي يصغرني بست سنوات في منزل متواضع في القرية. لقد كان هناك أمر غريب في المنزل، أمر غير طبيعي، لم أنتبه له إلا بعد أن قضيت ليلة في مخيم للناشئين تحدث فيها الزملاء عن قصص الجن والأشباح والأرواح الشريرة.  لقد اعتاد زيارة منزلنا نجار عجوز اسمه العم نزار، كان يأتي في الشهر مرة أو مرتين، ليصلح لنا بابا مخلوعا، أو شباكا مكسورا، أو طاولة محطمة، أو غيرها من الأشياء. كنت في السابق لا أعير ذلك اهتماما، إلا أن ما سمعته من الحكايا المرعبة في تلك الليلة جعلني أعيد النظر في الأمر. لاحظت أنه في كل يوم يأتي فيه العم نزار لإصلاح شيء ما في المنزل، يُسمع صوت دوي صاخب في ساعة متأخرة من الليل، لم أكن أهتم لذلك من قبل إلا أنني صرت أعطي الأمر أهمية أكبر، وكان قلبي يخفق هلعا من تلك الأصوات المخيفة! في الصباح، صرت أسأل أمي، وأحيانا أبي عن سر تحطم الأشياء في المنزل وأخبرهم عن الأصوات التي أسمعها ليلا، فلا يعيران الأمر اهتماما بالغا وربما يعزوان ذلك إلى قدم تلك الأشياء التي تتحطم هكذا من تلقاء نفسها. لم يكن الأمر مقنعا بالنسبة لي، وكنت أريد أن أعرف الحقيقة، لكنني لم أكن أجرؤ على النهوض من فراشي لأستكشف السر فقد كان الخوف يسيطر علي، كنت أخشى أن أرى تلك المخلوقات الشريرة وهي تقوم بتحطيم أغراض وأثاث المنزل، عندها قد تقوم بمطاردتي وإيذائي!


            ذات يوم، وبينما كان العم نزار يقوم بإصلاح باب مكسور، نظر إلي فوجدني أحدق به بغرابة، سألني قائلا: "بني شادي، مالك تحدق بي هكذا؟!" فقلت له متذمرا: "إلى متى ستظل تأتي إلى منزلنا لتصلح لنا الحطام في كل مرة، ألم تكن قد أصلحت هذا الباب قبل شهرين من الآن؟ لم هو محطم إذن؟! ألست أنت أفضل نجار في القرية؟!" فضحك من قولي، فقلت له: "ما المضحك في الأمر؟!". قال: "أنا أصلح الأشياء، وهي لا تتحطم إلا إن قام أحدهم بتحطيمها". عندها اندفعت قائلا بحماس: "أحسنت! إذن هناك من يقوم بتحطيم أثاث منزلنا.. ولا شك أنها تلك المخلوقات الشريرة!". قال لي مندهشا: " المخلوقات الشريرة! مثل ماذا؟!" قلت له باستخفاف: "ألا تعرفها؟! إنها الأشباح، والوحوش، والجن وغيرها!". قال لي: "وهل تعتقد أنها هي من يقوم بتحطيم أثاث المنزل؟!". قلت له: "من غيرها إذن؟!". قال لي: "اللصوص؟!". قلت: "لصوص!". ضحك قائلا: "كنت أمزح معك .. ولكني سعيد لأنك بدأت تعي أن نتيجة أي شيء، سببٌ ما!". قلت له مستغربا:"وهل هي المخلوقات الشريرة؟!". قال لي بعدما أخذ نفسا عميقا: "المخلوقات الشريرة! سمعت بهذا من قبل، هل سمعت عن قصة الفتاة التي كان يقال لها ابنة الشيطان!". قلت له مستغربا: "لم أسمع بها من قبل!". قال لي:" دعني أحدثك عنها". كنت واقفا فجلست أصغي له باهتمام بينما كان هو يواصل عمله، فقال: "حدثت هذه القصة قبل ثلاثين عاما، كانت هناك امرأة مصابة بالصرع، توفي عنها زوجها وتركها حاملا، فولدت ابنة صغيرة وقوية البنية. لقد كبرت هذه الفتاة وكانت عنيفة وتعشق ألعاب الصبيان، وكانت كذلك لا تبكي حتى لو اجتمع لضربها مجموعة من الأولاد المشاغبين فتظل تتحمل الألم دون أن تسقط منها دمعة واحدة، فأطلقت إحدى عجائز القرية عليها لقب (ابنة الشيطان)، وأشيع أن أمها المصابة بالصرع متلبسة بعفريت من الجن وأن هذه الطفلة هي ابنته!". قلت مندهشا: "وهل صدق الناس هذه السخافة؟!". قال: "للأسف البعض صدقها والبعض الآخر أخذ الأمر من باب الطرافة، لكن الجميع أخذ يناديها بابنة الشيطان، حتى جاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه تلك الطفلة عن طورها بسبب ذلك، وأصبحت شرسة وحادة الطباع، فلم يعد أحد من الأطفال يجرؤ على الاقتراب منها، لقد صارت عنيفة ولا تتوانى عن ضرب أي من ينعتها بابنة الشيطان!". قلت له: "وهل استمر الأمر على ذلك؟!". قال: "لا طبعا، لقد وعى الجميع أن نعتها بابنة الشيطان يسبب لهم المشاكل، فتواصوا على الكف عن ذلك لكن الطفلة ظلت منبوذة بسبب توحشها ولا أحد يعلب أو يتحدث معها! لكن الكثيرين _مع ذلك _ اعتقدوا أن تلك الطفلة المخيفة قد تكون ابنة للشيطان فعلا ". قلت: "هذا سخف! ثم ماذا حصل بعد ذلك؟!". قال: "ظلت تلك البنيّة وحيدة حتى جاء ذلك اليوم الذي أحضر لها ذلك الغلام الصغير لوحة فنية". قلت مستغربا: "لوحة فنية!". أكمل العم قائلا: "لقد كان فتى يصغرها بعام واحد، وقد كان انطوائيا ولا يحب لعب الكرة مع الأولاد ويعشق الرسم!". قلت: "وهل قامت بضربه؟!". ضحك العم وقال: "لا، لم تفعل، لقد أحبت اللوحة التي أحضرها لها، لقد رسمها وكأنها أميرة جميلة!". توقف عن الحديث قليلا، ثم ابتسم قائلا: "لقد أصبح الطفلان صديقين منذ ذلك اليوم، حتى أن ذلك الغلام الصغير الضعيف أصبح مرعبا هو أيضا!". قلت: "مرعبا!". قال متحمسا: "نعم ولك أن تتخيل ذلك، إذ أن أي ولد لا يجرؤ على الاقتراب منه خوفا منها". استفهمت قائلا: "خوفا منها؟! من؟!". قال: "الفتاة الصغيرة بالطبع، فقد أعلنت الحماية لذلك الصبي الصغير الضعيف!". ضحكت قائلا: "هذا رائع! إذن فالطفلة الصغيرة لم تعد وحيدة بعد ذلك، أليس كذلك؟!" قال: "بلا، وقد أصبحت فتاة مهذبة أيضا، فرسومات ذلك الفتى لعبت دورا في تحسين سلوكها، لقد كان يرسمها ترتدي فساتين جميلة، وتجمع الزهور، وأحيانا تبدو وكأنها فراشة رقيقة! كانت تتخيل نفسها تبدو كما الرسم، حتى أصبحت تتصرف مثل الفتيات واستطاعت أن تجمع حولها عددا من الصديقات، إلا أن ذلك الفتى ظل صديقها المفضل". قلت: "وهل انتهت القصة؟!". قال: "لا بل من هنا بدأت القصة!". قلت له متلهفا: "كيف؟! هل حدث أمر ما!". قال: " كبر الصغيران قليلا، وكانت الأمور على ما يرام حتى جاء ذلك اليوم الذي أتى فيه فتى من الإعدادية واعتدى بالضرب على ذلك الولد الرسام الصغير، ولقد كان في الصف السادس الابتدائي وقتها! لقد بلغ الأمر إلى تلك الفتاة، فانتفخت أوداجها، وأرعدت وأزبدت، وعندما رأت حال صديقها الفتى المسكين لم تتمالك نفسها فصبت جام غضبها على ذلك الولد المعتدي وجعلت منه أضحوكة بين أقرانه بعد أن أشبعته ضربا!".



 ضحكت قائلا: "يالها من فتاة!". أكمل العجوز قائلا: "لقد كانت صديقة وفية، لكن سلوكها لم ينقلب إلى سابق عهده وظلت فتاة مهذبة، لا تعتدي على أحد". قلت: "ثم ماذا حدث بعد ذلك؟!". قال: "كبرا وأصبح كل منهما موظفا في نفس الشركة! ولكنهما طردا من العمل معا!". استغربت قائلا: "طردا من العمل؟!". ضحك العجوز وقال: " كان مدير العمل سيء الطباع وكثيرا ما كان يصرخ على ذلك الشاب ويهينه، كان يستغل حياء ذلك الشاب وضعفه، وهذا ما شجعه ذات يوم على صفعه! فلم تتحمل الفتاة إهانة صديق طفولتها فتدخلت وأردت ذلك المدير أرضا بعد أن هشمت وجهه بلكماتها، ولم يستطع أحد إيقافها!". قلت: "ولكن كيف يجرؤ مدير العمل على صفع موظف عنده؟!". قال: "لقد كان رجلا متعجرفا إلا أنه نال جزاءه العادل، على العموم، لم تستطع الفتاة الحصول على عمل في القرية فسافرت إلى المدينة وهناك دخلت السجن أكثر من مرة، لممارستها العنف مع كل من يستفزها أو يتغزل بها من الشبان، لقد كان ضربها عنيفا للغاية ومبرحا!". قلت: "وماذا عن الشاب؟!". قال: "لقد أصبح رساما في جريدة!". قلت: "وهل انتهى الأمر؟!". قال: "لا، من هنا بدأ الأمر! كان والد الشاب رحمه الله صديقي، ولقد أتتني أمه كي أحاول إقناعه بالزواج، فجلست معه أحدثه عن أهمية الزواج، وأن والدته ترغب في أن ترى أحفادها قبل مماتها!". قلت: "وهل اقتنع؟!". قال ضاحكا: "لقد أخبرني على استحياء بأنه لن يستطيع الزواج إلا من امرأة واحدة". قلت متحمسا: "بالتأكيد تلك الفتاة!". قلت: "بالضبط فهو لا يزال وفيا لها، والفضل يعود بعد توفيق الله لها في إتقانه ارسم أيضا؛ فهي من شجعه على ذلك. ولكنه كان يتخوف من شيء واحد فقط؛ وهو ممارستها للعنف من أجله. فضحكت من قوله وعرضت عليه أن يطلب منها أن لا تمارس العنف شرطا للزواج". قلت متهكما: "وهل قبلت الفتاة؟!". قال: "نعم وكادت تطير من الفرح، ومنذ ذلك اليوم هي لا تمارس العنف مع أي من الكائنات الحية أبدا! حتما هي ستفعل أي شيء إرضاء لزوجها الذي تحبه كثيرا". قلت مبتهجا: "يالها من نهاية سعيدة!". قال العجوز: "أتدري كيف كسب الشاب قلب تلك الفتاة؟!". قلت: "لأنه نظر إلى الفتاة على أنها فتاة عادية وليس ابنة شيطان كما كان ينعتها الجميع!". قال: "وأنت أيضا يجب أن لا تسلم عقلك للخرافات وقصص الأرواح الشريرة وتنظر للمواضيع بجوانب مشرقة وإيجابية كما فعل ذلك الشاب في طفولته!". قلت: "لم أعِ ما تقول!". ابتسم، ثم غمزني بعينه قائلا: "قد يكون ترددي الدائم لمنزلكم لإصلاح الأثاث المكسور نتج عنه وجودك في هذه الحياة .. لقد أنهيت عملي الآن، إلى اللقاء!". رحل ذلك العجوز وتركني مشدوها غير مصدق لما سمعت، غير أنه أعطاني درسا مهما في حياتي أجده متمثلا في قول الرب في كتابه المقدس:" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، فليتني ما عرفت أنني سبط "الشيطان"!



هناك تعليق واحد:

  1. كانت تلك الفتاة والدته !!
    جميلٌ أنه عرف الحقيقة وإن ساءهُ ذلك

    ردحذف