ثرثرة الراوي:
مرحبا أنا الراوي الذي تظهر صورتي لك في العنوان،
هل أبدو لطيفا؟؟!
لحظة، لحظة كنت أمزح. وأحب أن أطمئنك قبل أن تمل ويتكدر كامل يومك إن
كنت تقرأ هذه السطور في الصباح، أو حتى لا أكون سببا في أحلامك التعيسة هذه الليلة
إن كنت تقرأ في المساء بسبب كوني "الراوي" المختار من قبل المؤلف _حفظه
الله _ .
قد يتراود
إلى ذهنك هذا السؤال:
ألم يجد المؤلف غير هذا التعيس لأن يكون راوياً؟!
الحقيقة: فعلا،
لم يجد غيري، لكن ليس لأن المؤلف
عديم الذوق، ولست أنا الوحيد ولست الأفضل ولكن لأنني ربما الأرخص!
أياً كان السبب فلا يهم، لأن وجودي في هذه الرواية
مؤقت والسبب الوجيه هو:
أن بطل
القصة لا يستطيع أن يعبر لكم عمّا يدور حوله من أحداث حتى هذه اللحظة.
في البداية سأبدأ بالتعريف بشخصيات هذه القصة:
أولا: عندل
هو بطل قصتنا، وهو صبي صغير جدا عمره ستة أشهر فقط
وقد بدأ يحبو قبل عدة أيام
ثانيا: زكية
هي الأخت الكبرى والوحيدة لعندل عمرها اثني عشر
عاما وهي طالبة في المرحلة الإعدادية
ثالثا: أم عندل
ربة منزل، وتحب العمل في المطبخ والثرثرة مع
جاراتها في أغلب الوقت
رابعا: أبوعندل
هو أكاديمي جامعي يعمل مدرسا لمساق التاريخ في
الجامعة وهو مشغول أغلب الوقت
خامسا: الجدة
هي جدة عندل لأبيه وقد كانت رحمها الله تقيم معهم
في المنزل وقد توفيت قبل شهر. اشتهرت في حياتها بالعلاج بالأعشاب والطب الشعبي
وهي آخر من كان يعرف وصفات أسرة العندل السرية
هذه هي الأسرة التي سنقيم معهم لنتعرف عما يدور في
زوايا منزلهم من قصص ونوادر سيرويها لنا عندل، لكن بعد أن يتعلم الكلام طبعا!!
إلى
ذلك الحين سأكون معكم _مؤقتا_ أروي لكم الأحداث أولا بأول.
داء أم دواء!
في
الصباح، الأم تثرثر عبر الهاتف مع إحدى صديقاتها منذ نصف ساعة تقريبا، وقد نسيت أن
طفلها الصغير "عندل" أصبح قادرا على الحركة والاستكشاف، وقد ساقته
أطرافه الأربع إلى غرفة جدته الراحلة. كان الباب في الحقيقة شبه مغلق حيث كانت أم
عندل تنظف الغرفة وتجمع ما تبقى من الأدوية والأعشاب سعيا للتخلص منها حيث لم يعد
لوجودها معنى بعد رحيل "الجدة الطبيبة"، لكن ما إن سمعت رنين الهاتف حتى
تركت كل شيء خلفها وهرولت مسرعة لعلها تجد من تمارس معه هوايتها المفضلة "
الثرثرة".
بدأ
عندل ينظر يمنة ويسرة في دهشة من هذا المكان العجيب الذي لم يعتد رؤيته في
المنزل، وقد وجد فيه كومة مغرية من الصناديق والعلب والقناني أثارت لديه
شهية الاستكشاف فتقدم نحوها مسرعا. أخذ يضع في فمه _حاسة الاستكشاف لمن هم في مثل
سنة_ تارة علبة وتارة صندوقا صغيرا ومرة قنينة، حتى وقعت يديه على قنينة لم تكن قد
أغلقت بإحكام، قام بلعق الغطاء حتى لاحظ أنه قد افترق عن القنينة، فألقى به ووضع
في محلّه أخيرا فوّهة القنينة التي كانت تحتوي دواءً من الأعشاب كانت قد أعدته
الجدة سلفا. لقد كان يشعر بالجوع قليلا، الأمر الذي جعله يشرب ما في القنينة من
دواء. كان يخرج القنينة من فيه عندما كان يشعر بلسعة الدواء، لكنه ما لبث إلى أن عاود
تجرعه حتى آخر قطرة منه. لم يدم الأمر طويلا حتى شعر بعدها بالنعاس فاستلقى في الأرض حتى غلبه النوم
فاستسلم له.
وبعد
ستة عشر دقيقة وعشرون ثانية وثلاثة أجزاء من الثانية أنهت السيدة أم عندل مكالمتها
القصيرة مع صديقتها بحجة أن لديها بعض الأعمال المهمة عليها القيام بها (تنظيف
غرفة الجدة). تنبهت السيدة الأم أن طفلها الصغير لم يكن في مكانه الذي وضعته فيه،
فأعلنت حالة الطوارئ القصوى وبدأت في البحث عنه حتى ساقتها قدماها أخيرا لغرفة
الجدة حيث وجدت صغيرها قد استلقى نائما وبجواره قنينة دواء! فأصبح فؤاد أم عندل
فارغا إن كادت لتبدأ بالصراخ لولا أن الصدمة أفقدتها هذه الموهبة الشائعة لدى كل
نساء العالم عند كل خطر أو مصيبة! أقدمت بسرعة وأخذت صغيرها وبالسرعة القصوى اتصلت
بوالده الذي ترك العمل وأسرع للفور لأخذهما للمستشفى. كان الطريق مليئا بالعتاب
الممزوج بتبادل الاتهامات والتقصير في التخلص من أدوية وأعشاب الجدة التي أصبحت في نظر هذين الزوجين المذعورين مجرد
" نفاية" ربما تسببت في تسمم صغيرهما الذي تناول بعضا منها وقد تودي
بحياته.
في الحقيقة لا يوجد ما يخيف ويدعو للقلق حيث كان
الدواء عبارة عن خليط مركب من بعض الأعشاب
الصالحة وغير الضارة لكن لها أثرا جانبيا في التسبب في الخمول والنوم سريعا هذا ما
أوضحه الطبيب بعد أن تلقى تحليل عينة مما تبقى من الدواء من المختبر الطبي في
المستشفى. هنا اطمأن الأبوان على صحة صغيرهما، فعاد عندل ووالدته إلى المنزل وعاد
الأب إلى عمله. قامت الأم بالتخلص من جميع مخلفات الجدة الراحلة مما تسبب في خيبة
أمل عندل لاحقا، لا تسألوني لماذا، فعند عندل الخبر اليقين!
خيبة أمل
مرحبا
أنا عندل، أرجو أن لا يكون الرواي _ المؤقت _ قد شوّه مذكراتي وأشعركم بالملل،
سامحوني لم أكن أتمنى أن يروي أحد شيئا من مذكراتي غيري، لكن تلك الفترة من عمري
لا أتذكر أي شيء عنها إلا صورا سريعة لا أكاد أستطيع أن أركبها في
جملة مفيدة. سأروي لكم الآن منذ اللحظة التي أصبحت أدرك فيها كل شيء حولي جيدا
والتي تعد بداية تاريخي الحافل الحقيقي:
كنت
نائما حينما سمعت صوتا يناديني يبدو لي مألوفا، لكنني لم أعد أسمعه في الآونة
الأخيرة، كان يقول: "عندل، افتح عينيك" تعجبت حينها لأنني بدأت أفهم
معاني الكلمات التي أسمع أبي وأمي وأختي زكية يتواصلون من خلالها مع بعضهم
البعض. فتحت عيناي والتفت للخلف، فرأيت
امرأة عجوزا تنظر إليّ وعلى وجهها ابتسامة براقة لا أستطيع نسيانها، فجرى بيني
وبينها هذا الحوار:
·
مرحبا
عندل، لقد كبرت قليلا يا صغيري
·
من
أنتِ؟
·
أنا
جدتك ألم تعرفني؟! لا يهم، ما أود أن أقوله هو أنني حزينة لأن علمي الذي ورثته من
أجدادي لم يحمله أحد بعدي، فأبوك كان مشغولا في الجامعة بالتدريس والبحوث العلمية،
وأختك كانت دائما تتهرب من التعلم وتنشغل بالتفاهات والثرثرة، ثم إنها لم تكن
بالذكاء الذي يؤهلها لحمل هذا العلم.
·
وماذا
عن أمي؟
·
أمك لا يحق لها ذلك، لأنها ليست من عائلة العندل التي تحمل هذا العلم. آخ، لو أن أباك سمع كلامي وتزوج من
ابنة أخي لكنت قد نقلت علم عائلتنا الثمين إليها.
·
الغريب
أنك تتكلمين بنفس اللغة التي يتحدث بها أبي وأمي وزكية ولم أكن قبل هذه اللحظة
أستطيع أن أفهم ما يقولون إلا أنني أستطيع الآن إدراك ما حولي وفهم كل ما تقولين
بسهولة
·
يبدو
أن الوصفة التي تناولتها اليوم قد أدت
مفعولها فيك بشكل ملحوظ، لم أكن أعلم أن لهذه الخلطة هذا التأثير الكبير في الأطفال؛ كنت قد أعددتها لأختك زكية لتقوية ذاكرتها وزيادة ذكائها
لتحمل العلم من بعدي، لكن للأسف لم يسعفني الوقت في هذه الحياة!
أحسست
بعظمة الأمر فقلت وأنا في كامل حماستي: جدتي، صدقيني سأبذل ما بوسعي لأحافظ على
إرث عائلتنا الثمين.
اغرورقت
عينا الجدة بالدموع ثم قالت: آه يا بني، لقد كنت واثقة أنك ستكون على استعداد
لتحمل المسؤولية حينما تكبر.
·
هيا
يا جدتي علميني الآن كل ما تعرفين، لن أسمح بضياع علم أجدادنا الموروث منذ مئات
السنين!
·
للأسف
لا يوجد لدي الكثير من الوقت لأعلمك كل
شيء، وما أستطيع أن أقوله لك هو أن أمك
قامت بالتخلص من جميع الأعشاب الطبية التي جمعتها خلال عمري الطويل!
·
ماذا؟
يا لخيبة الأمل!
·
ذلك
كله لا يهم، فالأعشاب تستطيع أن تجمعها من جديد، إذا حافظت على المطوية السرية للوصفات
الطبية.
·
مطوية؟!
·
إنها
مطوية سرية كتب عليها أجدادنا الوصفات الخاصة بعائلتنا وحافظوا عليها كل تلك
السنين.
·
وأين
أجد هذه المطوية؟!
·
من
حسن الحظ أن أمك المغفلة لم تفتش وسادتي وإلا لكانت عثرت عليها وتخلصت منها.
·
إذاً
هي مخبأة في وسادتك، صحيح؟!
·
نعم،
ولكن الأهم ليس الوصفات الطبية المكتوبة في المطوية، فالمطوية تحتوي على مئة وخمسة
وعشرين وصفة سرية فقط، والعلم الحقيقي في كتب
الطب المخبأة في كهف لا يجب أن نخرجها منه نهائيا، ومكان هذا الكهف ستجده في
المطوية.
بدأ بعدها طيف الجدة بالاختفاء من أمامي
شيئا فشيئا لكن آخر ما قد سمعته منها قبل أن يتلاشى طيفها نهائيا: " تذكر يا
عندل، هناك في المطوية لغز يدلك على مكان العلم الحقيقي" .
كان حينها وقت الظهيرة عندما استيقظت فسمعت صوت
ضحكة أختي زكية يعلو، يبدو أن عائلتي يتناولون طعام الغداء معا الآن، وهذه فرصتي
لأذهب لغرفة الجدة وأستخرج المطوية من الوسادة قبل أن تتخلص منها أمي! نزلت من
سريري بعد عملية مدبرة في تسلق السور الحاجز الموضوع في سريري لكي لا أهرب من فراشي
إن أرادت أمي وضعي في سجن انفرادي أو تحت الإقامة الجبرية!! كل ما هو مطلوب مني هو
البكاء فتأتي أمي وتخرجني من السرير بعد العفو السامي، لكن بهذا سيعلمون أنني
استيقظت وستكون كل حركاتي وسكناتي تحت الرقابة والحراسة المشددة، ثم إنني لا يجب
أن أبكي بعد اليوم لأتفه الأسباب، لقد مضى زمن البكاء من غير رجعة! قمت بوضع وسادتي وفوقها وضعت بطانيتي بعد أن
لملمتها حتى تسلقت السور أخير وألقيت بنفسي إلى الجانب الآخر منه لأقع على مؤخرتي
التي كانت محمية بحفاضة جيدة مما خفف علي ألم الوقعة. في الحقيقة، كنت أنوي البكاء لكنني تحاملت على نفسي لأنني اتخذت
قرارا حاسما بأن زمن البكاء مضى وانتهى ولا ينبغي لمثلي وأنا حامل علم العائلة أن
يكون طفلا بكّاءً.
قمت بالتسلل خلسة من أمام غرفة المعيشة دون أن
يلحظني أحد و أنا في طريقي من الممر متجها بسرعة لغرفة جدتي. لكن، يا للكارثة، باب
الغرفة مغلق و لا يتزحزح من مكانه أبدا. نظرت للأعلى فوجدت شيئا مستديرا فخمنت أنه
السر الذي أستطيع من خلاله فتح الباب، لكن المشكلة تكمن في أنني لا أستطيع أن أصل
إلى ذلك الشيء الذي لا أعرف حتى الآن ما اسمه. نظرت يمنة ويسرة، فوجدت عربتي التي
ألعب بها كل يوم، قلت في نفسي: " ربما تساعدني هذه في الوصول للسر الذي يفتح
الباب". دفعت بالعربة إلى الباب ثم صعدت فوقها محاولا أن ألمس "سر فتح
الباب" .. وأخيرا استطعت أن ألمسه! وعند
تحسسه أيقنت أن هذا السر المستدير قابل للدوران، فقمت بتدويره حتى شعرت أن الباب
قد فتح حقا بعد أن صدرت فرقعة غريبة من الباب، وقد كنت متكئا عليه فاندفع للأمام
بقوة واندفعت العربة للخلف ولم أجد نفسي إلا وقد وقعت في الأرض على وجهي هذه
المرة. كنت أحس بألم فظيع في أنفي يكاد يقتلني، ولقد دمعت عيناي لكنني ما زلت محافظا على الوعد الذي قطعته على
نفسي بأن لا أبكي بعد اليوم. فتحاملت على نفسي ودخلت غرفة جدتي أخيرا. لقد بحثت في
كل مكان عن وسادة جدتي ولكن لا أثر لها أبدا، لقد كان سريرها خاليا ولم يكن فيه
حتى بطانية. لقد فقدت الأمل وأدركت في تلك اللحظة أنني قد أضعت علم عائلتنا وإرثها
القديم. وهنا يحق لي أن أبكي كالنساء على إرث لم أستطع المحافظة عليه كالرجال!
لم يكن أمامي حينها إلا أن أصرخ باكيا، لقد
تكالبت علي الأوجاع الجسدية مع الآلام النفسية، فبكيت بحرارة وانهمرت دموعي بغزارة
حتى أتت أمي وأخذتني في حضنها وهي تقول لي: " ما الذي تفعله هنا أيها
الشقي؟" مما زاد في جراح قلبي المنكسر فزدت في البكاء وأعليت نبرة الصوت وأمي
تحاول أن تهدئني بالغناء تارة وإظهار الشفقة علي تارة أخرى حتى هدأت أخيرا
واستسلمت للأمر الواقع، فكل شيء انتهى وتراث أجدادي قد ضاع للأبد!
جلست أمي لتكمل غداءها على طاولة الطعام
مع أبي وأختي الكبرى زكية وهي تحدثهم كيف أنني ربما خرجت من الغرفة بحثا عنها
فذهبت لغرفة جدتي، ليعلق بعدها والدي بأنني ربما ذهبت لتناول المزيد من الدواء
الذي ربما تحول مع طول التخزين إلى شراب مسكر! فتضيف زكية الغبية بعدها بأنني
عربيد وسكير منذ نعومة أظافري ليزيد والدي الطين بله قائلا: "عربيد
صغير" ليضحك بعدها الثلاثة وكأنني لست موجودا معهم أسمع وأرى. إنهم يسخرون
مني تخيلوا!
بصيص
الأمل
لكن
لم يمض وقت طويل حتى افتتح أبي الحديث مع أمي عن أغراض الجدة فقال:
·
على
ذكر غرفة أمي، هل قمت بالتخلص من جميع حاجياتها؟
·
نعم،
لكنني احتفظت بوسادتها وبطانيتها حتى إنني لم أغسلها بعد.
·
هذا
جيد، فلا تزال رائحة أمي عالقة في وسادتها، أريد أن أجرب النوم عليها هذه الليلة
لأتذكرها قليلا.
·
كم
أنا آسفة لرحيلها بهذه السرعة، لقد تركت فراغا في المنزل، وقل عدد الناس الذين كان
أكثرهم يزوروننا طلبا للعلاج. على أي حال، سأحضر لك الوسادة حينما تذهب إلى فراشك.
نزلت هذه الكلمات على قلبي المحترق نزول
الماء البارد على الجمر الحار. بشرك الله بالخير يا أمي، أستطيع الآن أن أمشي بين
الناس مرفوع الرأس لأنني سأحمل علم العائلة الثمين من جديد. كل ما علي الآن هو
التفكير بطريقة في انتزاع الوسادة من عند أبي، فالحقوق لا تعطى ولكن تؤخذ وتنتزع
انتزاعا. وما إن انتهوا من تناول الطعام حتى عاد والدي إلى عمله مجددا. وأخذتني
أمي للمطبخ لتعد لي بعض طعام الأطفال ليكون غدائي أنا أيضا.
وفي
الليل، عاد والدي منهكا إلى المنزل ، ويبدو عليه أنه سينام من فوره، فدخل غرفة
نومه وتبعته بعدها أمي التي كانت تحملني بيد وتحمل وسادة جدتي باليد الأخرى. كانت
عيناي لا تفارقان الوسادة، فكنز العائلة ومستقبلي مربوط فيما هو مخبأ فيها. لم أعد
أستطيع أن أتحمل أريد الوسادة بأي طريقة، فصرخت بصوتي الطفولي مشيرا للوسادة التي
أصبحت تحت رأس أبي ليعطيني إيّاها قائلا: "ماما ني غو غاغا كو ها ها غا "!! يا للفضيحة، لقد نسيت أنني لا أحسن
النطق والتحدث بعد، ماذا عساي أن أفعل الآن؟! نظر والداي إليّ متعجبين، فابتسمت
أمي قائلة: " يبدو أن صغيرنا يريد أن ينام بجوارك يا عزيزي، ألا تراه يشير
إليك بأصبعه الصغيرة، إنه مشتاق إلى حنانك الأبوي". فرفع أبي يديه ليأخذني من
أمي ويضجعني بجواره على نفس الوسادة. كان علي قبول هذا الهراء مبدئيا كي أحصل على
الوسادة، فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة! بالطبع أنا لست مشتاقاً إلى حنانك الأبوي
يا أبي بعد أن وصفتني بالعربيد الصغير، أهكذا تربي ولدك الصغير؟!! لن أسامحك على
هذه السخرية مني أبدا.
انقلبت بعد حين لأنظر لوالدي لأرى هل
نام أم مازال مستيقظا؛ ولقد انكسر قلبي لما رأيت، وشعرت بالشفقة على والدي، فقد
كان يغلق عينيه بقوة والدمعات تتساقط على وجنتيه في منظر لم أعتد رؤيته في الستة
أشهر المديدة من عمري. ربما أبي الآن يتذكر جدتي والأيام الجميلة التي قضوها معا،
فظللت أنظر لهذا المشهد الذي لن أنساه أبدا. ولم يدم الوقت طويلا، حتى فوجئت بشخير
والدي المزعج يملأ الأرجاء! أدركت حينها أن الفرصة قد صارت مواتية لسحب الوسادة من
تحت رأسه، وما إن سحبت الوسادة أخيراً حتى
أحس بذلك ففتح عينيه ونهض قائلا: " أيها المكير، أنت تريد الوسادة منذ
البداية، لا بأس يمكنك الاحتفاظ بها يا صغير" فحملني إلى سريري ويديّ
الصغيرتين تمسكان بالوسادة بكل ما تستطيعان من قوة، فوضعني فيه وأغلق علي حاجز
السرير ظناً منه أنه سيمنعني من الهرب بهذه الطريقة . وما هي إلا لحظات حتى التحقت أمي بأبي
لتأخذ حظها من النوم هي الأخرى. لقد كنت أقوم بدور النعسان طيلة الوقت حتى أطمئنها
أنني سأخلد للنوم مثلهما. وبعد أن أحسست أنهما غفوا، أدخلت يديّ في الوسادة لتطيشا
بحثا عن المطوية من بين القطن. أحسست بعد حين بشيء غريب صلب فسحبه شيئا فشيئا حتى ظهرت
لي أخيرا "المطوية السرية" وقد
كانت عبارة عن قطعة جلدية كبيرة ملفوفة بشكل اسطواني منظم عجيب. قمت بفتحها لأتفحص
ما فيها وكلي فضول أن أجد اللغز الذي سيدلني على مكان الكهف الذي وضع فيه تراث
أجدادي العلمي، ففوجئت برسومات وخربشات لا أعرف معناها. ثم تذكرت بعدها أنني ما
زلت لا أحسن القراءة بعد، ولن أستطيع فهم أي شيء من المطوية حتى أتعلم القراءة.
كنت فعلا، منهكا بعد هذا اليوم الطويل، فأعدت المطوية للوسادة وخلدت بعدها للنوم
سريعا.






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق